الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

الفزعة.. أقدم أشكال التطوّع

26 سبتمبر 2026 00:03 صباحًا | آخر تحديث: 26 سبتمبر 00:03 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
حين يبادر الجار بإيصال أبناء جاره إلى مدارسهم نظراً لظروف يمرّ بها جاره، أو عندما يقوم صديقٌ بالمساهمة مع صديقه في مهامّ للتخفيف عليه من الضغط، أو عندما يقوم أحدهم بمدّ يد العون لشخص آخر يمرّ بمشكلة ما، فيخفّفها عنه بالمساهمة في حلّها، فإن هذه المهامّ وغيرها الكثير تندرج تحت العمل التطوّعي، لكنه عمل لم يُوثَّق، ولم يدخل اسمه في أي سجلّ إحصائي، ومع هذا فإنه عمل تطوّعي بكل ما تعنيه الكلمة.
وهو جهد إنساني توقّف عنده برنامج متطوّعي الأمم المتحدة، فقد جاء في ملخّص تقريره الذي حمل عنوان «حالة التطوّع في العالم 2026»: «يبلغ معدّل التطوّع غير المنظَّم (25%) أكثر من ضعف معدّل التطوّع المنظَّم القائم على المؤسّسات (11.7%). وهذا يشير إلى أن الشبكات التي تقودها المجتمعات المحلية هي المساهم الرئيسي في التماسك الاجتماعي وصمود المجتمعات المحلية».
إن التطوّع الذي نراه من خلال الفعاليات والمبادرات المنظَّمة هو الجزء الأصغر، أما الأكبر فهو التطوّع الذي يحدث في صمت: في البيوت، والأحياء، والطرقات، وبين الأقارب والجيران والأصدقاء، وحتى بين الغرباء.
وكما هو واضح، فإن الشبكات الاجتماعية والعلاقات البينية بين الناس هي المكان الذي ينمو فيه العمل التطوّعي المتمثّل في مساعدة الآخرين والفزعة لهم عند حاجتهم. وهذا العمل التطوّعي نشعر به لكننا لا نراه، وتتمّ معظم مهامّه في صمت وبعيداً عن الأعين. وهو قديم، وهناك إرث من القصص والأشعار التي تحثّ عليه وتتوقّف عند مواقف كان فيها للفزعة وتقديم المساعدة للآخرين الكلمةُ العليا، ولم تكن تُسمّى تطوّعاً، بل تُعتبر واجباً وحقاً للآخرين.
وهذا النوع من التطوّع يواجه صعوبات هو الآخر، ويواجه تحدّيات جسيمة تتمثّل في ضعف الشبكات الاجتماعية، وضعف التواصل والترابط بين الناس. والمفارقة أن أجمل خصال هذا النوع من التطوّع هي أكثر نقاط ضعفه؛ فهذا النوع من التطوّع لا يحتاج إلى مؤسّسات، لكنه يحتاج إلى أن يعرف الناس بعضهم بعضاً.
لذا أرى أن حماية هذا النوع من العمل التطوّعي لا تكون بتحويله إلى عمل مؤسّسي، فهو بطبيعته عونٌ بين الناس، إنما من خلال حماية متطلّبات وجوده: أن يعرف الناس جيرانهم ويتفقّدوهم، وأن تبقى الأحياء أماكن للقاء والتعارف، وأن نربّي أبناءنا على قيمة الفزعة ومساعدة الآخرين.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة