إن آلية العمل التطوّعي التي اعتدنا عليها، والتي عملنا وفقها طوال عقود من الزمن، تطوّرت في هذا العصر الحافل بالتقنيات الحديثة؛ فدخولنا حقبة الذكاء الاصطناعي مكّننا من القيام بمهامّ جديدة وطرق غير مسبوقة لأداء مهامّ التطوّع وخدمة المجتمعات. فلم يعد المكان شرطاً، ولا الحضور الشخصي، ونجد متطوّعين من مواقع جغرافية بعيدة يؤدّون مهامّ وأعمالاً حيوية عن بُعد؛ وهو ما يُعدّ أحد مؤشّرات تطوّر العمل التطوّعي وتغيّره.
وهذا الجانب تنبّه له برنامج متطوّعي الأمم المتحدة، الذي دشّن خدمة التطوّع الإلكتروني منذ عام 2000م، وهي خدمة تستهدف ربط المتطوّعين بالمنظّمات المعنية في مختلف دول العالم. وحقق البرنامج نجاحات كبيرة؛ فقد أسهم أكثر من عشرة آلاف وخمسمئة متطوّع عن بُعد، خلال عام واحد، في أربع وعشرين دولة من دول غرب قارة إفريقيا ووسطها، وتركّزت أعمالهم في الترجمة والتصميم والتحرير والبرمجة.. إلخ. وجميع هؤلاء المتطوّعين لم يضطرّ واحد منهم إلى السفر ولا إلى إيقاف عمله الأساسي.
والتحوّل الحقيقي الذي يجب التنبّه له أن هذا النوع من التطوّع لم يعد يُقاس باليوم أو الأسبوع، بل بالدقائق، ويُسمّى «التطوّع الدقيق»، وهو عبارة عن مهامّ صغيرة مقسَّمة وموزَّعة، يقوم عدّة مئات من المتطوّعين في وقت واحد بتنفيذها، فتكون النتيجة النهائية عملاً ضخماً لم يكن لشخص واحد أو لمجموعة صغيرة تنفيذه وإنجازه.
وأحد الأمثلة الناصعة البيضاء للعمل التطوّعي الجماعي الدقيق ما يُعرف برسم الخرائط الإنساني، وتتلخّص فكرته في وقوع كارثة بمنطقة لا توجد لها خرائط دقيقة، فيتمّ تقسيم صور الأقمار الصناعية إلى مربّعات صغيرة، ويتولّى متطوّعون من مختلف أرجاء العالم تتبّع المباني والطرق، فتتكوّن خلال ساعات خريطةٌ بحجم الكارثة ومواقع الناس المتضرّرين، وهذه الخريطة يستعملها المسعفون على الأرض.
والمتطوّع لم يقضِ أكثر من عشرين دقيقة، لكنه كان جزءاً من عمل ضمّ آلافاً من المتطوّعين الآخرين. ومثلها في مجال العلوم، حيث توجد منصّات تضمّ أكثر من مليون متطوّع من مختلف أرجاء العالم، مهامّهم تصنيف الصور الفلكية، ورصد الكائنات، وتفريغ المخطوطات القديمة، وغيرها من المهام؛ وهي أعمال من الصعب على الباحثين إنجازها دون مساعدة.
لكن الثابت في هذا النوع من العمل أن هناك إنساناً قد اختار أن يعطي شيئاً ولم يطلب من ورائه ثمناً. وبقي الدافع كما هو: مساعدة الآخرين.
