في عام 1999 ونحن على أعتاب قرن جديد وألفية ثالثة أصدر الناقد جابر عصفور كتابه «زمن الرواية»، دشن الكتاب مع العديد من الظواهر الأخرى لمرحلة تسيّدت فيها الرواية المشهد الثقافي، حيث باتت المعبّرة عن تحولات المجتمع، وصوتاً للمهمشين، واعتبرها البعض ديوان العرب الجديد، وتزامن ذلك مع إنشاء العديد من الجوائز للرواية، فضلاً عن مجلات متخصصة، ومؤتمرات تعقد بصورة دورية، والأهم تزايد المنتج الروائي بصورة ملحوظة، لم يسأل أحدهم وقتها عن الأسباب، الاجتماعية أو الثقافية، التي أدت إلى هذا الصعود الصاروخي والمفاجئ للرواية.
مرّ الآن على مقولة «نحن نعيش زمن الرواية» وتوابعها أكثر من ربع قرن، ولم يقدم أحدهم مراجعة للمنتج الروائي والمفترض أنه وفقا لهذا الزخم يعيش عصره الذهبي، والمفترض مرة ثانية أنه أفرز أسئلته وظواهره، بل وإضافاته الجديدة على ما تم إنتاجه من روايات خلال القرن العشرين، ويجد أي متأمل للمشهد الروائي الآن نفسه وحيداً وأعزلَ، ولا يملك بين يديه أدوات نقدية، ويفتقد إلى عينَي عالم الاجتماع أو المحلل الثقافي، والأهم من ذلك أنه يواجه الأسئلة نفسها التي كان من المفترض أن يطرحها من نّظروا لذلك الزمن، وقدموا إجابات شافية عنها.
لعل السؤال الجوهري الذي لم يتطرق إليه أحد سواء في بداية «زمن الرواية» أو الآن، هل يعيش هذا الفن أزهى عصوره بالفعل؟، وهل هذا الازدهار جاء طبيعياً ونتيجة لتراكمات وإضافات حققها هذا الفن؟، أم كانت هناك متغيّرات اجتماعية واضحة سواء في نهاية القرن العشرين، أو الآن، صعدت بهذا الفن إلى الواجهة.
اعتقد مبدئياً أن البنية الشبابية للمجتمعات العربية في المرة الأولى حسمت الأمور لمصلحة الرواية، وانفجار الرغبة في الحكي مع مواقع التواصل الآن حسمت المسألة مرة ثانية أيضاً لمصلحة الرواية، وفي المرتين كان هناك تراجع واضح لأجناس أدبية أخرى، على رأسها الشعر الذي يحتاج إلى درجة أعلى من التعليم، والتثقيف، والذائقة اللغوية، وهو تراجع استمر منذ العقد الأخير من القرن الماضي حتى الآن، أي أن صعود الرواية لم يكن نتيجة لعوامل ذاتية داخلية، بل تأثر بأسباب اجتماعية وثقافية وتكنولوجية، وبمناخ يرتكز على «الشو» ويمنح الأولوية للكم، ويهتم بالشكل والبهرجة على حساب المضمون.
في المرحلة الأولى من زمن الرواية وجدنا أنفسنا أمام روايات لا تختلف كثيراً عن الأفلام، تعتمد بصورة أساسية على الصورة، واللغة في أحسن أحوالها تقريرية، أو شديدة البساطة، ولا تنتمي إلى الأدب، والشخصيات مسطحة لا تعلق بالذاكرة تفتقد إلى الثراء الإنساني، والحبكة بوقائعها وأحداثها لا تتماس مع أيّ فكرة كبرى ولا تلامس أعماقنا كما فعلت الروايات الكلاسيكية، كنا ببساطة نعيش زمن الرواية المرئية التي تخاطب العين أولاً.
الآن في المرحلة الثانية من هذا الزمن ابتعدت الرواية قليلاً عن العين لتخاطب الأذن بنعومة تهمس فيها «كان يا مكان»، لقد تراجعت كل عناصر الفن الروائي لمصلحة الحدوتة، وبات لكل روائي حكاية يودّ البوح بها، بغضّ النظر عن أي شيء آخر، وإذا دخلت مع أحدهم في جدل، تجده يشهر في وجهك حجة السرديات الكبرى، والتي كانت كلها في الأصل حكايات، مع إهمال تلك العوالم الخلابة، والغرائبية، والمدهشة، والخيال المنفلت من عقاله التي تضمنتها تلك السرديات، وتفتقد إليها روايات- حواديت الراهن، فتجد نفسك أمام حوار ستضطر فيه إلى نقاش اختراع العجلة من جديد.
يقوم أيّ نص مكتوب على خطاب العقل أولاً، والعين والأذن هنا مجرّد أدوات مساعدة، أو وسائل تلقي، هي مرحلة وسطى بين الكاتب وعقل القارئ، وأي خلل في تلك العملية يؤشر إلى تغير واضح يتعلق بمستويات مختلفة: ثقافية واجتماعية وانسانية، ونحن لا ندري الوضع المستقبلي في «المرحلة الثالثة» من زمن الرواية الشجاع والسعيد، وأعنى مرحلة الذكاء الاصطناعي، حيث سيكون الروائي الموهوب هو الأكثر مهارة في التعامل مع ذلك الذكاء وتوجيهه وهي مرحلة بدأت بالفعل، وتصحبها ظواهر قيد التشكل، وملامح روائية تنتظر البحث والتأمل، ولا ندري أي حاسة سيخاطبها الفن الروائي في تلك المرحلة، وسيتغول الذكاء الاصطناعي حتى يستولي ليس على حواسنا فقط، ولكن على عقولنا أيضاً، وتلك ستكون روايتنا الكبرى، وربما الأخيرة التي ستضع وجود الإنسان نفسه على المحك.
