الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

ما بقي للإنسان المهمّة لا المهنة

28 سبتمبر 2026 00:05 صباحًا | آخر تحديث: 28 سبتمبر 00:05 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
تزايد الحديث عن الوظائف المُلغاة بسبب الذكاء الاصطناعي، بل إن كثيراً من الإداريين والمهنيين والفنيين ونحوهم يشعرون بالضغط، حيث تُجيَّر منجزاتهم للذكاء الاصطناعي، ويسمعون أنها فترة زمنية قليلة وستُلغى وظائفهم.
هذه النظرة فيها تعميم يعتريه خلل، كما أنها تُلغي الإبداع البشري والجهد والعمل الذي يتمّ إنجازه.
وقد حاولت دراسة صدرت عن منظمة العمل الدولية والمعهد الوطني للأبحاث في بولندا عام 2025 معالجة مثل هذه النظرة للذكاء الاصطناعي، فقامت بتحليل ثلاثين ألف مهمّة وظيفية تقريباً، وخلصت إلى أن وظيفة واحدة من بين كل أربع وظائف في العالم معرّضة بدرجة ما للذكاء الاصطناعي التوليدي، وأن 3.3% فقط من إجمالي الوظائف في العالم تقع في أعلى درجات التعرّض. وجاء في بيان المنظمة أن: «التحوّل، لا الاستبدال، هو النتيجة الأرجح». وأرجعت الدراسة ذلك إلى أن معظم المهن عبارة عن مهامّ تحتاج للمدخلات البشرية، ومعها تصبح عمليات الأتمتة صعبة أن تتم بشكل كامل.
مثل هذه الدراسة يبيّن خللاً مفاهيمياً لدى بعض الناس لم يتمّ الانتباه له، هو أن وحدة القياس لم تعد المهنة، بل المهمّة، لأن الوظيفة الواحدة تفكّكت إلى عشرات المهامّ، فتقوم الآلة ببعضها ويبقى بعضها الآخر للإنسان. مهنة المحاسبة، على سبيل المثال، لن تختفي كمهنة، لكن جزءاً منها ستؤدّيه الآلة. والحال نفسه في مجال الترجمة، فلن يتمّ الاستغناء عن المترجم، لكن ما كان يستغرق أسبوعاً بات يُنفَّذ في غضون ساعة أو أقلّ. ويمكن القياس على هذا في مختلف المجالات الوظيفية، من البحث العلمي، والتعليم، ومعالجة البيانات، وغيرها.
نستطيع القول إن ما بقي للإنسان يتمثّل في عدّة جوانب، كالمعرفة المحلّية، فابن المكان ومن عاش فيه هو من يعرف أن هذا الطريق سينقطع عند هطول الأمطار، وبالتالي لن يتمكّن القمر الصناعي من التنبّؤ بهذا، فالبيانات تصف ما تمّ تسجيله، لكن الإنسان يبقى يعرف ما لم يُسجَّل.
وهناك أيضاً الحكم في الحالات الملتبسة، ولعلّ مثاله في الخوارزمية التي تتردّد بين احتمالين متقاربين، فيقوم الإنسان بالحسم، ليس لأنه أذكى، بل لأنه يملك السياق ويرى ما لا تراه الأرقام. وبقي للإنسان أيضاً التحقّق، لأن مخرجات الآلة تحتاج دائماً إلى من يراجعها، وإلا تراكمت الأخطاء. إن أهمّ خطر قد يعيق الإنسان ليس الآلة، بل أن يبقى في مكانه، وأن يكون معتمِداً واتّكالياً، هذا هو التهديد الحقيقي.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة