دائماً ما كنت أسمع من بعض المسؤولين والعاملين في المجال الدولي أن بعض الوفود العربية تصل إلى اجتماعات الأمم المتحدة، تلقي كلماتها، تتابع أخبارها، ثم تنشغل بنفسها وتختفي.. أما الوفود الفاعلة فتنظر إلى الأسبوع الأممي باعتباره غرفة عمل مفتوحة: لقاءات، أفكار، تفاهمات، وبناء طويل للعلاقات.
تذكرت هذه الملاحظة وأنا أتابع مشاركة الإمارات في الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة في نيويورك. الوفد الرفيع، برئاسة سموّ الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان، نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية، لم يحضر ليؤدي واجباً بروتوكولياً، بل تحرك في عشرات اللقاءات مع قادة ووزراء ومسؤولين دوليين من قارات واتجاهات سياسية مختلفة. وهذه ليست كثافة مواعيد فقط، بل توزيع واعٍ للأولويات بين السياسة والاقتصاد والتكنولوجيا والعمل متعدد الأطراف، بما يؤكد أن الحضور الدولي الناجح يبدأ بالاستعداد الجيد، ثم المتابعة الدقيقة بعد انتهاء الاجتماعات وتحويلها إلى مسارات.
ومن يتأمل موضوعات هذه الاجتماعات يقرأ رسالة إماراتية واضحة وهي أن الدبلوماسية والتنمية مساران متلازمان؛ فقد حضرت قضايا السلام والأمن وخفض التصعيد، إلى جانب الاقتصاد والتجارة والاستثمار والأمن الغذائي والذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة والمناخ. أي أن العلاقة الدولية لا تُبنى فقط حول الأزمات، بل حول ما يمكن للدول أن تنجزه معاً.
حتى الفعاليات المصاحبة عكست هذا النهج. «مجلس الاستثمار الإماراتي» ناقش سلاسل الإمداد المرنة والخدمات اللوجستية الذكية، فيما جمع حوار شبابي نظمته الإمارات 52 شاباً من عشر دول للحديث عن دور الجيل الجديد في ابتكار الحلول. إنها دبلوماسية تربط السياسة بالاقتصاد، والمصلحة الوطنية بالمنفعة المشتركة، والحاضر بالمستقبل.
وعندما يتساءل البعض: كيف بنت الإمارات هذا الحضور؟ وكيف أصبحت قادرة على التواصل مع أطراف تختلف فيما بينها؟ فهذه هي الإجابة وهي ليست سراً، ولا نتيجة اجتماع واحد. إنها حصيلة عمل تراكمي، واحترام للشركاء، واستمرارية في التواصل، وقدرة على بناء الجسور من دون التفريط في المبادئ أو المصالح.
الإمارات عندما تذهب إلى العالم، تذهب لتعمل وتبني وتقترح، لا لتكتفي بالمشاهدة أو السياحة. ولهذا، فإن تأثيرها لا يُقاس بحجمها الجغرافي، بل بجدية حضورها، وصدق علاقاتها، وقدرتها على تحويل اللقاء إلى شراكة، والشراكة إلى نتيجة.
في العلاقات الدولية، المكانة تُبنى من لقاء بعد لقاء، ومن موقف بعد موقف. وما شهدته نيويورك الأسبوع الماضي كان واحداً من وجوه هذا البناء الإماراتي الهادئ.
X: @MEalhammadi
