الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

كوارث إنكار العلم

30 سبتمبر 2026 00:03 صباحًا | آخر تحديث: 30 سبتمبر 00:03 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
بغض النظر عن الصراع الصيني -الأمريكي بشأن الهيمنة على القطاعات الصاعدة في الاقتصاد العالمي وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي، فإن الخلاف بين البلدين ليس على تطوير تلك التكنولوجيا الجديدة إنما على من يستفيد أكثر منها. ورغم ما كشفت عنه شركات القطاع الكبرى مؤخراً من مخاطر كارثية لبرامج الذكاء الاصطناعي إلا أن أحداً من المستثمرين في تلك التكنولوجيا أو مستخدميها لا يريد وقف تطويرها تماماً.
ما لفت نظري في الأيام الأخيرة تصريح الرئيس الأمريكي دونالد ترمب التهكمي بأن «من حذرونا من مخاطر تغير المناخ قبل ذلك هم من يحذروننا الآن من مخاطر الذكاء الاصطناعي». فذلك إنكار آخر للعلم كما حدث مع جهود مكافحة التغيرات المناخية.
منذ اتفاقية باريس للمناخ عام 2015 أصبح هناك توجه عالمي للحد من الانبعاثات المسببة للاحتباس الحراري، وقطع العالم شوطاً مهماً في التحول في مجال الطاقة نحو الطاقة المتجددة المستدامة. رغم أن بعض المتطرفين ظل ينكر أن هناك أزمة مناخ ويروج لمعلومات مضللة من أن «أنصار البيئة» إنما لا يريدون للدول الصناعية أن تتقدم.
في الأعوام الأخيرة بدأت بعض الدول تتراجع عن سياسات مكافحة التغير المناخي، أغلبها لأسباب اقتصادية، لكن بعضها تأسياً بموقف الولايات المتحدة التي أعلن رئيسها الانسحاب من اتفاقية باريس وقام بتعديل كل القوانين التي تشجع الحد من الانبعاثات.
وحين جاءت أزمة وباء كورونا عام 2020 كانت هناك مجموعات تعارض العلم وتدعي أن الوباء مجرد «مؤامرة لإغلاق العالم» ورفض هؤلاء حتى التطعيمات ضد فيروس كوفيد-19. يبدو كل ذلك مفهوماً، فدائماً ما تجد في العالم من ينكر العلم ويتمسك بالخرافة ويعتقد في نظريات المؤامرة. لكن عدم اقتصار ذلك على مجموعات هامشية غير مؤثرة، بل وتبنّي قيادات كبيرة في العالم، لتلك النظريات يمكن أن يتسبب في كوارث.
لعلنا ندرك بالفعل من حياتنا اليومية على الكوكب كيف أن التقاعس عن جهود مكافحة التغيرات المناخية أدى إلى زيادة حدة بعض الظواهر الطبيعية من الحرائق إلى الأعاصير إلى الفيضانات، فضلاً عن الارتفاع الواضح في درجة الحرارة والاضطراب في فصول السنة الذي يهدد المحاصيل وغيرها. رغم أن أغلب الناس حول العالم التزموا بتلقي التطعيمات، إلا أن الجدل حولها لم ينته إلى الآن. فما زال هناك من يربط التطعيمات ببعض الأمراض بشكل مضلل وغير علمي، فضلاً طبعاً عن نظريات المؤامرة بأن التطعيمات كانت من أجل السيطرة على البشر!!
الكارثة الآن بالنسبة للذكاء الاصطناعي تتجاوز كل ذلك إلى حد كبير. فما زالت تلك التكنولوجيا الجديدة القابلة للتطور بسرعة غير مفهومة لأغلب البشر. وهناك عوامل كثيرة تحكم تطورها، فالشركات التي «تحرق» المليارات تسعى للتحكم في التكنولوجيا كي تستعيد الاستثمارات مع أرباح. والسياسيون المتحمسون للتكنولوجيا يريدون من الأعمال والشركات، وحتى الحكومات، أن تتبناها ليصبح تسويقها واسع النطاق موفور العائد للشركات. في الوقت نفسه يخشى العاملون في مجال الذكاء الاصطناعي من أن تطويره حالياً ليكتب برامج «سوفت وير» بنفسه تعني فقدانهم وظائفهم بسرعة.
كل ذلك لا يقلل المخاطر من «انفلات» تلك البرامج لتهدد أغلب مصالح البشر التي أصبحت رقمية وتعتمد على الانترنت وبرامج الكمبيوتر. بالتالي فإن انكار أهمية تطور التكنولوجيا هنا يتساوى مع انكار المخاطر المرتبطة بهذا القطاع الجديد والتي لا تقتصر على قرصنة برامجه وتطبيقاته للشركات والمصالح الحكومية وإنما تمتد إلى قطاعات أخرى. فمراكز البيانات الهائلة التي يتم بناؤها حول العالم تستهلك كميات هائلة من الطاقة، في الوقت الذي يجاهد فيه العالم لتلبية احتياجات الطاقة المتصاعدة.
المحصور في هذا الصراع بين أصحاب المصلحة والمتخوفين من تدمير التكنولجيا لمصالح البشر، وحتى البشر أنفسهم كما بدا في بعض الكوارث المعزولة، هو الناس العادية. وهنا ليست الكارثة في إنكار العلم، إنما في أن الثقة بالعلم قد تتحول إلى استهانة بالمخاطر على البشر وربما الحياة على كوكب الأرض.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة