الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

العالم لن يخرج من أمريكا

9 سبتمبر 2026 00:03 صباحًا | آخر تحديث: 9 سبتمبر 00:03 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
اهتمت وسائل الإعلام العالمية بشدة بخبر قرار مدير الصندوق السيادي النرويجي بتقليل حيازته من سندات الخزانة الأمريكية. وليس مبعث الاهتمام أنه الصندوق السيادي الأكبر عالمياً بأصول تصل إلى تريليوني دولار فحسب، وإنما لأن ذلك تزامن مع قرار البنك المركزي الهولندي بنقل احتياطيه من الذهب من نيويورك إلى لندن، مبرراً ذلك بما سمّاه «مخاوف جيوسياسية».
تلقفت الدوائر المناهضة للولايات المتحدة، وحتى بعض المعلقين والمحللين المعتدلين، تلك الأخبار بطريقة حسبوا بها الأمر إلى استنتاج أن الأوضاع في الولايات المتحدة تقلق المستثمرين الأجانب، أو أن سياسات إدارة الرئيس دونالد ترامب تنال من ثقة المستثمرين بالاقتصاد الأمريكي.
ذلك على الرغم من أن مؤشرات الاقتصاد الكلي لأكبر اقتصاد في العالم ما زالت جيدة، سواء معدلات التضخم وأرقام سوق العمل وغيرها. لكن عمق ومرونة الاقتصاد الأمريكي التي تمكنه من الصمود أمام التحديات الجيوسياسية العالمية لا تكفي لمواجهة ما يسمى «العامل النفسي» لدى المستثمرين، والمشكلة أن تصريحات الإدارة الأمريكية وسياساتها تثير ذلك العامل النفسي بأكثر مما ينبغي.
في الوقت الذي يقترح فيه الصندوق السيادي النرويجي خفض محفظته من سندات الخزانة الأمريكية، أي تقليل شراء الدين الأمريكي، تزيد الصين مشترياتها من سندات الخزانة الأمريكية مستفيدة من انخفاض سعرها وارتفاع العائد عليها. أما اليابان، التي تملك أكبر حيازة من تلك السندات لدى غير الأمريكيين، فإن وزير خزانة ترامب سكوت بيسنت دخل مع رئيس وزرائها في عمليات تحكم بالسوق، سواء بشراء الين لرفع قيمته أو التنسيق بشراء سندات الخزانة.
إلا أن تلك التدخلات التي قام بها بيسنت في سوق السندات وأسواق العملات لم تفلح في وقف الاضطراب، خاصة في سوق السندات الذي يتصرف على أساس احتمال رفع أسعار الفائدة أو على الأقل عدم خفضها.
لذا كان تصريح ترامب الغاضب هذا الأسبوع مهدداً بوقف تجارة أمريكا مع بعض الدول ما لم يخفض البنك المركزي أسعار الفائدة. وهو تصريح في الحقيقة مثير للجدل ولاضطراب السوق أكثر. لكن هذه هي مشكلة تصريحات الرئيس ترامب وقراراته المفاجئة التي أحياناً يتراجع عنها، لكن ضررها على «العامل النفسي» للمستثمرين يكون قد وقع بالفعل.
على عكس كثير من التحليلات والتعليقات التي تخلص إلى أن «العالم يخرج من أمريكا»، فإن الواقع هو أن الاقتصاد الأمريكي يظل الوجهة الاستثمارية الأهم عالمياً. حتى رغم القلق السائد منذ تجميد أصول روسيا الدولارية مع حرب أوكرانيا وخوف الدول من توسع أمريكا في العقوبات بما يضر بمصالحها، فما زالت الأموال بالمليارات تتدفق على السوق الأمريكية يومياً.
صحيح أن القلق مبرر، لكنه لا يعني أن العالم يخرج من أمريكا أو أن المستثمرين الأجانب يتخلون عن الاستثمار في الأصول الأمريكية، وفي مقدمتها الأسهم والسندات، فإذا خرجت كل تلك الأموال التي تذهب إلى أمريكا يومياً من هذا المسار، فلن يوجد اقتصاد ولا سوق بهذا العمق والمرونة يستوعبها.
ثم إن مسألة نقل الهولنديين ذهبهم ليس إلا عكساً لمسار سابق، فقد حدث أن نقلت فيه دول أخرى ذهبها من لندن إلى نيويورك لاعتبارات لا علاقة لها بمخاوف أو توترات، وإنما لاختلاف طريقة قطع السبائك وأوزانها وربما أيضاً فارق كلفة رسوم التخزين.
لا يمكن طبعاً إغفال أن الإدارة الأمريكية تزيد من المخاوف بتصريحات، وربما الوعد بسياسات مالية واقتصادية في سياق الحملة الدعائية لانتخابات التجديد النصفي للكونغرس، إلا أن المغالاة في تلك التصريحات والوعود يجب ألا تثير الأسواق أكثر من ذلك. فالمستثمرون ليسوا برباطة جأش الاقتصاديين الأكاديميين ولا حتى محللي الإعلام الذين يضعون التصريحات المغالية في سياقها ويقللون من أهميتها.
فكما يشير القول الشائع بأن «رأس المال جبان»، لكن الواضح أيضاً أنه مهما كان جبنه، فإنه ما زال يستهدف السوق الأمريكية، وسيظل كذلك حتى يجد سوقاً مماثلة أو حتى قريبة من عمقه ومرونته.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة