د. فواز علي عبدالحميد
قد يستخدم شخصان المنصة الرقمية نفسها، وفي اللحظة ذاتها، لكنهما يعيشان عالمين مختلفين تماماً. يظهر لأحدهما سيل من الأخبار والآراء التي تؤكد قناعاته، بينما يرى الآخر محتوى يناقضها أو يعزز رؤيته الخاصة. ومع تكرار المشهد، يعتقد كل واحد منهما أن ما يظهر أمامه يمثل الحقيقة أو يعكس رأي الأغلبية. هنا تبرز فكرة غرف الصدى، حيث يتكرر الصوت نفسه، وتضعف فرصة وصول الأصوات المختلفة.
غرفة الصدى هي بيئة فكرية وإعلامية تحيط بالفرد بآراء مشابهة لرأيه، فتؤكد معتقداته باستمرار، وتستبعد أو تهمش ما يخالفها. ومع الوقت، لا يعود الشخص يسمع الرأي نفسه فحسب، بل يبدأ في اعتباره الرأي الطبيعي أو الوحيد المعقول. أما الرأي المختلف، فيبدو له غريباً أو عدائياً أو غير جدير بالاستماع. وتختلف هذه الغرف في حجمها؛ فقد تكون مجموعة صغيرة من الأصدقاء، أو مجتمعاً رقمياً واسعاً، أو جمهوراً يتابع مؤثراً واحداً.
وغالباً ما ترتبط غرف الصدى بالخوارزميات، باعتبارها أنظمة تختار للمستخدم ما يراه بناء على اهتماماته وسلوكه السابق. غير أن تحميلها وحدها مسؤولية هذه الظاهرة يقدّم تفسيراً ناقصاً. فنحن لا نعيش بالضرورة داخل غرف صدى تصنعها المنصات من دون مشاركتنا، بل نسهم أحياناً في بنائها عندما نختار بأنفسنا ما نريد سماعه، ونتابع من يوافقوننا، ونحجب من يختلفون معنا.
فالإنسان يرسل، من خلال سلوكه اليومي، إشارات إلى ما يريد متابعته: ما يضغط عليه، وما يشاركه، وما يشاهده حتى النهاية، والحسابات التي يتابعها، والمحتوى الذي يتوقف عنده طويلاً. وتتعلم المنصة من هذه الإشارات، فتقدم له مزيداً مما يشبه اهتماماته واختياراته. وعندما يكتشف أنه يميل إلى نوع معين من الآراء أو الموضوعات، فإنه يبحث عن المزيد منه. لا يفعل ذلك بالضرورة لأنه متأكد من صحته، بل لأنه يحقق له إشباعاً أكبر ويمنحه شعوراً بالانتماء. وهكذا تنشأ حلقة متبادلة مضمونها: نختار محتوى معيناً، فنبحث عن محتوى مشابهاً، ونراه دليلاً على أهميته، ثم نزيد تفاعلنا معه.
وهنا تتداخل الرغبة الإنسانية مع السلوك اليومي. ويميل الإنسان غالباً إلى ما يؤكد أفكاره. ومن المريح أن نجد من يشاركنا الرأي، بينما قد يكون الاستماع إلى المختلف مرهقاً أو مزعجاً أو مهدداً لصورتنا عن أنفسنا وجماعتنا. لذلك قد نبدأ ببناء غرفة الصدى قبل أن تتدخل المنصة كالتالي: نلغي متابعة الحسابات المخالفة، وننضم إلى مجموعات متجانسة، ونرفض النقاش مع المختلفين، ثم نوسع الدائرة من حولنا باختياراتنا المتكررة.
ومع تكرار هذه الاختيارات، قد يزداد تمسك الفرد بالمحتوى الذي يوافقه. فالمحتوى المثير والغاضب والمستقطب يحظى غالباً بتفاعل أكبر من المحتوى الهادئ والمتوازن. وكلما ارتفع التفاعل، زادت رغبة الشخص في متابعته والعودة إليه. وبذلك يمكن أن يتحول التخصيص، الذي يفترض أن يجعل تجربة المستخدم أكثر ملاءمة، إلى نوع من العزل الفكري الذي لا يرى فيه الفرد إلا ما يشبهه.
وتكمن خطورة غرف الصدى في آثارها العامة. وقد تسهم في تعميق الاستقطاب، وتضعف القدرة على الحوار، وتسمح بانتشار الأخبار المضللة داخل جماعات تصدقها لأنها لا تتعرض لتصحيح كافٍ. كما تجعل الفرد يخلط بين كثرة التكرار وصحة المعلومة، وبين انتشار الرأي وقيمته، وقد تدفعه إلى الاعتقاد بأن جماعته تمثل المجتمع كله، في حين أنها لا تمثل سوى جزء منه. وعندما تتسع الفجوة بين الجماعات، يصبح الاتفاق على الحقائق المشتركة أكثر صعوبة.
ومع ذلك، لا ينبغي النظر إلى كل تجمع رقمي متشابه بوصفه مشكلة. فقد تمنح الجماعات المتقاربة دعماً نفسياً ومعرفياً، وتساعد أصحاب القضايا المشتركة على التعبير والتنظيم، خصوصاً من لا يجدون مساحة كافية في الإعلام التقليدي. المشكلة تبدأ عندما يتحول التشابه إلى انغلاق، وعندما يصبح الاختلاف سبباً للإقصاء أو الكراهية، وعندما يفقد الفرد القدرة على مراجعة أفكاره.
وللخروج من غرف الصدى، نحتاج أولاً إلى وعي باختياراتنا. يمكن متابعة مصادر متنوعة، وقراءة الخبر من أكثر من وسيلة، والتمييز بين المعلومة والتعليق، والتوقف قبل إعادة النشر، وعدم اعتبار كثرة المشاهدات دليلاً على صحة المحتوى. كما ينبغي أن نسأل: من غاب عن هذه الرواية؟ وما الدليل الذي يؤيدها؟ وهل أتعامل مع المختلف بوصفه خصماً أم شريكاً في البحث عن الحقيقة؟ وتحتاج المنصات بدورها إلى مزيد من الشفافية بشأن آليات التوصية، وإلى تصميم لا يكافئ الاستقطاب والإثارة وحدهما.
إن غرف الصدى ليست سجناً يفرضه طرف واحد، ولا خياراً شخصياً خالصاً. إنها نتيجة تفاعل بين اختياراتنا المتكررة والبيئة الرقمية التي تعيد تعزيز ما نميل إليه. فهل نملك الشجاعة لنبحث، بوعي، عما قد يختلف معنا ويغير ما نعتقده؟
