كسابقاتها في السنوات القريبة الماضية، انفضت اجتماعات الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة من غير نتيجة إيجابية ملموسة يمكن البناء عليها أو اتخاذها باباً للتفاؤل بشأن نهايات المواجهات المستعرة في أكثر من منطقة، وأولاها، بالطبع، منطقتنا.
الأمر لا يمكن فصله بالطبع عن قيمة المنظمة الأممية الآخذة في التراجع، والعرضة للاستهداف والتهوين من جانب الولايات المتحدة على الأقل، ما شجّع أعضاء آخرين على تجاوزها وعدم الاعتداد بما ينتج عنها من تصريحات أو قرارات، وبالتالي أصبح موقفها من الأزمات الكبرى المشتعلة في العالم هو الأقل اعتباراً.
في الحد الأدنى، كان يمكن لاجتماعات الأمم المتحدة، وهي الحدث السنوي الذي يجمع زعماء وساسة ومسؤولين من حول العالم ويضم أكثر اللقاءات التشاورية عدداً، أن تخرج بما يطمئن المتابعين لها أو المنتظرين منها انفراجات ملحوظة لأي أزمة، لكن ذلك لم يحدث.
اقتربت اجتماعات الأمم المتحدة، رغم رفعة التمثيل فيها، من الاعتيادية التي تعرفها منظمات وتجمعات أخرى إقليمية ودولية، وأصبحت عنواناً أبرز على الانقسام العالمي المتواصل، وساحة للتراشق واستمرار المعارك، لا الاقتراب من نهاياتها.
لا يمكن الربط بين هزال نتائج اجتماعات الأمم المتحدة والحديث المتواتر عن إصلاحها، فالدعوة إليه من أطراف بعينها، خاصة الولايات المتحدة، مغرض، لا يستهدف تحقيق المصلحة العالمية، إنما يريد تثبيت الانفراد بالقرار العالمي، أو انتزاع أحادية القطبية، وتطويعه للمصلحة الأمريكية وما يدور في فلكها. وهذا المسعى هو جزء من جوهر أزمة الأمم المتحدة التي يذهب إليها كثيرون وهم يائسون مقدماً من نتائج الاجتماعات والخطابات والمشاورات، غير أن دولاً لا تزال تحتفظ بالأمل في عودة العالم إلى ما أمكن من نقاط السلام والتعايش ومراعاة المصالح المشتركة.
هذه الدول هي التي تراهن على لحظة عقل توحّد العالم وتعيده إلى ما يحفظ الأرواح والثروات المهدرة في النزاعات التي تفلت من أطرافها فرص التلاقي والوصول إلى ما يوقفها.
للأسف، مضت اجتماعات الأمم المتحدة ومستويات القلق في العالم أعلى منها حين بدأت، وبدا المقبل أكثر غموضاً.
على صعيد المواجهة الإيرانية الأمريكية، لا انفراجة، بل مراوحة في الاحتمالات والتهديد المتبادل ونزف الاقتصاد العالمي والتضييق على شعوب متضررة من التداعيات، والأسوأ هو الخوف من أن لا يكون ذلك نهاية المطاف. ومن رحم الصراع الروسي الأوكراني تولد كل يوم احتمالات التصعيد وشمول أطراف أخرى بالخطر وكأن كل الأثمان المدفوعة والجهود المبذولة لا معنى لها.
ينسحب الأمر على بقية الجراح المفتوحة في السودان واليمن وغيرهما في منطقتنا وخارجها، ليسود عدم اليقين من الفصول المقبلة بعد أن مرّ كثير منها بلا حلول.
للأسف، كانت اجتماعات الأمم المتحدة دليلاً جديداً على مأزق عالمي يغيب فيه التفاهم وتتباعد المسافات بين صنّاع سياساته، ليستمر قلق الشعوب الضحية الأولى لانقسام تكرسه سياسات طامعة ومتهورة.
