يلفت الانتباه أحياناً أن نرصد في الساحة الثقافية تحولاً سريعاً وواضحاً في مزاج كاتب أو شاعر أو روائي، بحيث يبتعد فجأة عن الأضواء ويقل حضوره في المنابر والأمسيات والصفحات الثقافية، وهذا الأمر يفسره الكثير من المتابعين على أنه علامة تراجع في النشاط والانتاج الفكري أو الأدبي، بينما يذهب آخرون إلى أن المحيط الذي يعيش فيه المبدع هو من يصنع هذا المد والجزر، فيمنحه أحياناً دفعة نشاط لا تنتهي، ويسحب منه في أحيان أخرى الرغبة في الاستمرار حتى يصل إلى مستوى يثير التساؤلات.
وهذا في الحقيقة أمر طبيعي جداً في دورة حياة أي مبدع، ولعلنا لانجازف كثيراً أن سميناها ب«الدورة الخريفية» في العمل الأدبي، وهي تلك اللحظة التي يشعر فيها الكاتب أنه لم يعد هناك ما يغريه في أضواء الساحة، تماماً كما يفعل الشجر حين يودع أوراقه في الخريف ليعلن أنه انتهى من عطائه لهذا الموسم.
المزاج الخريفي هذا قد يشكل عند البعض مرحلة انتقال أو مراجعة، قد تنتهي بأعمال أكثر إبداعاً وبريقاً وقد تنتهي أيضا بعزلة أكثر عمقاً وبعداً، فالكاتبة الروائية البريطانية روز تريمين أصدرت هذا العام روايتها الجديدة (The Housekeeper)، وهي في عمر 83، ولكن ما يجب أن نلتفت إليه حقاً هو تصريحها بأنها لن تتوقف عن الكتابة، إذ تقول مادام الكاتب قادراً على أن يتخيل ويكتب فعليه الاستمرار.
نتمنى من بعض المبدعين الذين ركنوا إلى خريف التجربة وابتعدوا عن الساحة، أن يكون هذا تراجعاً ظاهرياً وأن يكون الابتعاد مجرد محطة استراحة أو وجهاً آخر من النضج، أو لحظة انتقالية أخصب، والساحة زاخرة بالشواهد التي تؤكد أن ابتعاد المبدع يمثل أحياناً نقطة تؤسس لانطلاقة مبهرة من جديد.
ولذلك حين نرى هذه الأيام تحديداً كاتباً أو شاعراً يبتعد فجأة عن المشهد، لا ينبغي أن نستعجل الحكم عليه، وننشغل بتفسير ظروفه وحالته كما يجب أن نبتعد عن اطلاق الأحكام أيضاً، فقد يكون ذلك خريفه الخاص، وخريف الأدباء ليس نهاية بالضرورة، قد يكون لحظة تكوين جديدة تسبق ميلاداً لعمل لم يكشف عن نفسه بعد.
