الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

حِيَل الأدب

9 سبتمبر 2026 00:05 صباحًا | آخر تحديث: 9 سبتمبر 00:05 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
لم أجد يوماً جواباً مقنعاً يكبح جماح التفكير في السؤال البسيط: لماذا يفضّل شخص كتاباً على آخر؟ أو رواية على أخرى؟ وأيضاً: لماذا تترك رواية معينة أثراً كبيراً وعميقاً في تفكير أحدهم، بينما تكون ذات الرواية بلا معنى تقريباً لقارئ آخر؟ يمكننا طبعاً أن نستدعي شمّاعة «الذائقة»، ونقول تختلف ذائقة فلان عن فلان، والذائقة يمكنها فعلاً أن تفسر أشياء كثيرة في علاقتنا بالرواية والشعر والفن عموماً، ولكن الفكرة: لماذا أنت تحب رواية وغيرك يفضّل رواية أخرى قد لا تفهم أصلاً ما الذي أعجبه فيها؟
لكن السؤال الذي يهمني لا يتعلق باختلاف الذائقة، ولكن المهم هو لماذا أعجبت هذه الرواية هذا الشخص تحديداً؟ ربما لأن شيئاً في الرواية اقترب من تفكيره وشخصيته وهمومه، وربما لأن شخصية من شخصيات الرواية أثارت فيه فضولاً حول قضية ما لم يفكر فيها بهذه الطريقة من قبل.
وهنا، يمكننا أن نتحدث عن «حيل الأدب»، إذا جاز التعبير، فالأدب يسمح لنا ومن دون أن نشعر، بأن ننظر إلى أنفسنا في عيون أبطال الحكاية، فنحن نقرأ الشخصية ونراقبها ونقيس تصرفاتها على تصرفاتنا، وقد نحكم عليها وعلى اختياراتها، نتوقف عند ترددها، نتأمل الخوف من المجهول والقادم، نرى الطريقة التي تتعامل بها الشخصيات مع الموقف، وقد نسأل أنفسنا، من دون شعور: ماذا كنت سأفعل لو كنت مكانها؟
وهنا نشير إلى دراسة ممتعة منشورة في دورية الدراسة العلمية للأدب (SSOL)، بعنوان: «كيف يؤثر الأدب في مفهوم الذات: تجارب القراءة التحويلية والذوات الممكنة في عالم القصة»، وفيها حاول الباحثون قراءة تجارب 543 قارئاً مع القراءة وما تركته فيهم من أثر، وركّزت الدراسة على البحث في فكرة مهمة، وهي أنه من خلال أبطال الرواية، فإننا نستحضر صوراً مختلفة لأنفسنا، ما كنا عليه، وما نحن عليه الآن، وما نتمنى أن نصبحه وهكذا، وعندما تتوافق شخصيات الرواية أو تقترب من حقيقة هواجسنا وأفكارنا، هنا تبدأ بذرة الإعجاب والإحساس بأن هذه الرواية تناسبنا ونرغب في متابعة القراءة، وقد سمّى الباحثون هذه الفكرة ب«الذوات الممكنة في عالم القصة».
لهذا، ربما تحب رواية معينة لأنها اقتربت منك ومن أفكارك ومن أسئلتك ومن مخاوفك، فلا يعود معيار الإعجاب هنا للحبكة أو اللغة أو الفكرة، فالأمر في الحقيقة أكثر تعقيداً، أنت هنا وقعت في سحر الأدب، وانطلت عليك حيلته الكبيرة، التي تجعلك تظن أنك تقرأ عن الآخرين، بينما في الحقيقة، أنت تقرأ نفسك.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة