يبدو أن شهر سبتمبر الجاري شهر «حامي الوطيس» في أروقة صناعة الذكاء الاصطناعي، خصوصاً مع ما شهدناه مؤخراً من تقارير تقنية وإعلامية حول فكرة إبطاء تطوير النماذج اللغوية المتقدمة، بعد سلسلة تقارير أفادت بحدوث تصرفات «مراوغة» من قبل هذه الأنظمة، حيث رصدت كبرى شركات AI محاولات لللاتفاف على الرقابة البشرية، حتى وصل الأمر إلى تنفيذ سلوكات اعتُبرت متمردّة داخل بيئات الاختبار، وهو حدث أفضى لإعلان مهم من قبل شركة «مايكروسوف» لوضع مسودة «مدونة سلوك» تنص على إبقاء أنظمتها قابلة للتدخل البشري، وإجراء عمليات التصحيح والإيقاف عندما تدعو الحاجة.
ولا نريد الخوض أكثر في تفاصيل هذه المعمعة، وسوف نكتفي بالتقاط جزئية مهمة، وهي جزئية مدوّنة السلوك الخاصة بما ينتجه الذكاء الاصطناعي، وما هو قادر على إنتاجه، وهنا لابد من أن نشير الى خطاب الكاتب المسرحي والسيناريست جاك ثورن، رئيس نقابة كتاب بريطانيا، والذي ألقاه في لندن، ونشرته الـ«جارديان» قبل أيام.
ثورن دعا، وبشكل صريح، إلى تجريم استخدام الذكاء الإصطناعي في الكتابة الاحترافية من دون الإفصاح عنه، معتبراً، أن تقديم أعمال إبداعية جرى توليدها من هذه التطبيقات سواء كانت نثراً، أو شعراً، أو نصوصاً أدبية، هو نوع من الغش والاحتيال، كما دعا إلى مساءلة الجهات التي تتعامل مع هذه النصوص، من ناشرين وموزعين، وتحدث ثورن أيضاً عن أمر مقلق آلا وهو إساءة استخدام الذكاء الاصطناعي بين الكتّاب أنفسهم، الأمر الذي يهدّد بقويض هذه المهنة، بحسب وصفه.
وهنا يجب أن نتوقف قليلاً عند هذه التصريحات، ولا نعلم حقاً كيف يغامر كاتب له باع طويل وسمعة مهنية، وجمهور شغوف بإنتاجه، بأن يستخدم الآلة لإنتاج أعمال له، قد نعذر كاتباً جديداً، أو مدوّناً أوصحفياً مغموراً، لقلة الخبرة لديهما، ورغبتهما في اختصار الطرق، لكن لا عذر لجيل تلطخت أناملهم بالحبر، وهم يعصرون الفكرة المعتقة، ساكبين الدهشة على الورق.
هل نحن بحاجة الى «مدوّنة سلوك» للكتّاب والمثقفين والمبدعين، على غرار ما فعلته مايكروسوفت مع نماذجها الآلية؟، أم نحن بحاجة أكثر لوقفة مع الذات المبدعة في أعماقنا، فلا تغرينا سرعة الآلة، ولا عباراتها المصقولة، ولا تراكيبها اللغوية، فهو كـ«سراب بقيعة» ظاهرها خير ومنفعة، وباطنها عواقبه وخيمة على أقلامنا، وبنات أفكارنا.
لا نريد أن نختبئ خلف إصبعنا، نعم نستفيد من إمكانات الآلة في البحث، والتدقيق، والاستكشاف، ولكن عند الإبداع، الفكرة تُقدّ من شرايين الفكر، وتمرّ بالعقل، وتخرجها لنا الأنامل، فنحن ندوّن أحاسيسس وليس ذبذبات.
