يجب أن لا ننكر أننا أحياناً نستمتع بما تجود علينا به مواقع التواصل الاجتماعي من موجات الـ«ترند»، التي تفرض نفسها بقوة على خارطة حياتنا اليومية. نعم هذه الثقافة الجديدة هي جزء لا يتجزأ من واقعنا الحالي، بكل ما تحمله في جعبتها من انطباع قد يكون متأرجحاً بين العفوية والتصنع.
والمقام والمقال اليوم لا نبتغي منه الخوض في فلسفة هذه الظاهرة ولا حتى جدلية تأثيرها، لكن الشيء بالشيء يذكر، فقد انتشر مؤخراً ما يسمى بـ«ترند الثمانينات»، وهو في فكرته الطريفة يقوم على أن يقوم الشخص بتحميل صورة شخصية، ويطلب من أحد نماذج الذكاء الاصطناعي تحويلها إلى صورة ملتقطة في فترة الثمانينات، فتخرج لك صورة مع قصة شعر كانت رائجة في تلك الفترة، مع أزياء «ثمانينية» يغلب عليها مزيج من ألوان الأحمر والأخضر والأزرق والبني، ثم يشاركها الناس على صفحاتهم الشخصية، فتلقى رواجاً وتفاعلاً، لتنهال على صاحبها التعليقات الطريفة.
نريد أن نشارك مع هذه الموجة، لكن بدل الصورة دعونا نطرح سؤالاً، ماذا كانت تعني «الثمانينات» ثقافياً على المستوى العربي؟
يمكن أن نجيب بأنه في «الثمانينات» حلق نجيب محفوظ بجائزة نوبل للآداب، وكان هذا أول اعتراف مؤسسي دولي بالنتاج العربي الروائي، وفي تلك الفترة نضجت تجارب فكرية وأدبية عربية كبيرة في مختلف نواحي الثقافة، وبدأت حركة ترجمة واسعة من مختلف اللغات، وازدهر النقد والدراسات الأدبية، وكان هناك حراك ثقافي من «العيار الثقيل» شارك فيه نخبة من النقاد والشعراء والروائيين، أمثال محمد عابد الجابري ومحمود درويش وأدونيس وكنفاني وناجي العلي ومحمد الماغوط وعبد الوهاب البياتي والطيب صالح، والقائمة طويلة.
أما الثمانينات الإماراتية فقد كان لها بصمة خاصة، حيث أنطلق الملحق الثقافي لجريدة الخليج وعلى رأسه محمد الماغوط، وفي الثمانينات كان محمد المر يكتب قصته الإماراتية، وحبيب الصايغ يدفع بالشعر نحو فضاء آخر، وكان أحمد راشد ثاني باحثاً في اللغة والمكان والتراث، وسط حضور أقلام أصوات مبدعة مثل أحمد المدني ومانع سعيد العتيبة وغيرهما الكثير ممن أثروا المشهد الثقافي المحلي.
«الثمانينات» كانت «ساحة معارك» ثقافية وفكرية حقيقية، كان فيها المثقف العربي مشغولاً بقضايا كبرى، فقد كانت قصيدة النثر تدافع عن نفسها في مواجهة الشعر التقليدي، والأدب الملتزم يواجه الأقلام التي تدعو لتحرير الشكل والمضمون. وهكذا، فقد كانت الثمانينات سواء كنت تدري أو لا تدري، عقداً تمكن العرب فيه من صناعة جيل أدبي كامل.
