الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

هل اختفى حارس البوابة الإعلامية؟

15 سبتمبر 2026 00:30 صباحًا | آخر تحديث: 15 سبتمبر 01:24 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
د. فواز علي عبدالحميد
كان حارس البوابة الإعلامية، في الصحافة التقليدية، شخصية واضحة المعالم، سواء كان محرراً، أو مؤسسة صحفية تملك سلطة اختيار الأخبار، وترتيبها، وصياغة عناوينها، وتحديد الزاوية التي تصل من خلالها إلى الجمهور. ولم يكن دوره يقتصر على تمرير المعلومات، بل كان يشارك في صناعة الأجندة العامة، وتحديد القضايا التي تستحق اهتمام المجتمع، وتشكيل الطريقة التي يفهم بها الناس الأحداث من خلال الانتقاء، والتأطير، والتفسير.
لكن هذه الصورة تغيرت جذرياً مع صعود الإنترنت والمنصات الرقمية. فقد أصبح الخبر ينتقل بسرعة من مصادر متعدّدة إلى الجمهور، من دون أن يمرّ دائماً عبر البوابة التحريرية التقليدية. وظهر الصحفي المواطن، وتحوّل المتلقي من مستهلك سلبي إلى مشارك في إنتاج المحتوى، وتداوله، والتعليق عليه، وتصحيحه أحياناً. كما بات بإمكان أي مستخدم أن ينشر صورة، أو مقطعاً، أو شهادة قد تتحول خلال ساعات إلى مادة تحظى باهتمام واسع. فهل يعني ذلك أن حارس البوابة اختفى؟
الأدق أنه لم يختف، بل تغيّرت وظيفته، وتوزعت بين حراس متعدّدين. فالمحرر ما زال يختار الموضوعات، ويتحقق من المصادر، ويمنح الخبر سياقه، ويميز بين المعلومة، والرأي، والدعاية. غير أن سلطته لم تعُد منفردة، إذ تشاركها الخوارزميات، والجمهور، ومنصات التواصل الاجتماعي والمؤثرون ومحركات البحث والمعلنون، فضلاً عن السياسات التي تضعها الشركات المالكة للمنصات.
وتؤدي الخوارزميات اليوم دوراً حاسماً في تحديد ما يراه المستخدم. وهي لا ترتب الأخبار دائماً وفق أهميتها العامة، أو قيمتها الصحفية، بل تعتمد على مؤشرات مثل حجم التفاعل، وسرعة الانتشار، واحتمال النقر، ومدة المشاهدة، واهتمامات المستخدم السابقة. وبذلك قد يحظى المحتوى المثير أو العاطفي بانتشار أكبر من التحقيق المتخصص، أو الخبر الموثق، لأن الأول يحقق تفاعلاً أسرع. هنا تتسع البوابة من جهة، لكنها تصبح أقل شفافية من جهة أخرى، إذ لا يعرف المستخدم دائماً لماذا ظهر له خبر واختفى آخر، ولا يدرك مقدار ما تسهم به الخوارزمية في تشكيل أولوياته اليومية.
أما الجمهور، فقد أصبح حارساً آخر للبوابة. فالمشاركة وإعادة النشر والتعليق قادرة على تحويل قضية هامشية إلى موضوع عام، كما يستطيع المستخدمون كشف الأخطاء والضغط على المؤسسات لتغطية قضايا مهملة، أو أصوات لم تكن تجد طريقها إلى الإعلام التقليدي. وقد أتاح ذلك قدراً أكبر من التفاعل والمساءلة، وجعل المؤسسات الصحفية أكثر قرباً من اهتمامات الجمهور. غير أن هذه القوة قد تنقلب إلى خطر عندما تتحول المشاركة إلى إعادة نشر غير مسؤولة، أو عندما يصبح عدد المشاهدات بديلاً عن معيار الدقة والأهمية، أو عندما تتحول الجماعة الرقمية إلى أداة للضغط والتشهير.
ولا يعني تعدد الحراس أن المجال الإعلامي أصبح أكثر شفافية بالضرورة. صحيح أن المنصات أتاحت أصواتاً جديدة، وكسرت احتكار المؤسسات الكبرى للنشر، لكنها نقلت جزءاً من السلطة إلى شركات تقنية تتحكم في خوارزميات التوزيع، وتعمل غالباً وفق منطق تجاري. كما أن وفرة المعلومات لم تؤد دائماً إلى معرفة أعمق، فقد أنتجت فقاعات معلوماتية، وغرف صدى تعزز قناعات المستخدم بدلاً من تعريضه لوجهات نظر متنوعة. وقد يجد الفرد نفسه محاطاً بمحتوى يشبه آراءه السابقة، فيتوهم أن موقفه يحظى بإجماع واسع، بينما تغيب عنه الآراء المخالفة.
ومن هنا تبرز مسؤولية المحرر والمؤسسة الصحفية. فالمحرر لم يعد مجرد بوابة تمنح الخبر حق المرور أو تمنعه، بل أصبح مطالباً بالتحقق من المواد المتداولة، ومراجعة المصادر، وشرح السياق، ومواجهة التضليل، وتقديم ما يتجاوز الخبر العاجل إلى الفهم والتحليل. وفي زمن السرعة، تصبح المهنية في القدرة على التريث، لا في السباق إلى النشر. كما أن الصحافة مطالبة بالحفاظ على حضورها الإنساني والأخلاقي، وعدم ترك تحديد أهمية القضايا لمنطق التفاعل وحده.
لذلك فإن مستقبل الإعلام لا يكمن في الدفاع عن المحرر بوصفه الحارس الوحيد، ولا في تسليم البوابة للخوارزمية والجمهور. المطلوب هو إعادة تعريف الدور التحريري، وتعزيز الشفافية في عمل المنصات، وإلزامها بتوضيح مبادئ التوصية وترتيب المحتوى، مع ترسيخ التربية الإعلامية التي تساعد الجمهور على التحقق والتمييز بين الخبر والرأي والإشاعة. فحرية الوصول إلى المعلومات لا تكتمل من دون القدرة على فهم مصدرها ودرجة موثوقيتها.
إن التحول الرقمي لا يلغي الحاجة إلى الحراسة المهنية، بل يجعلها أكثر ضرورة وتعقيداً ومسؤولية. لم يختف حارس البوابة الإعلامية، بل فقد صورته القديمة المنفردة. نحن اليوم أمام منظومة من الحراس، لا يملكون السلطة نفسها، ولا يعملون وفق المعايير ذاتها. وإذا كانت البوابة قد اتسعت أمام المنتجين، فإنها أصبحت أكثر تعقيداً أمام الجمهور. ومن ثم فإن السؤال الأهم ليس: هل اختفى الحارس؟ بل: من يملك مفاتيح البوابة الرقمية؟
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة