الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

السرد الإعلامي وصناعة الصورة

16 أغسطس 2026 00:04 صباحًا | آخر تحديث: 16 أغسطس 01:04 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
د. فواز علي
حين تتحدث جهات متعددة عن مدينة واحدة، وتتوزع الرسائل بين منصات مختلفة وجمهور متنوع، لا تصبح المشكلة في نقص المعلومات بقدر ما تصبح في الصورة التي تنتجها هذه المعلومات مجتمعة.
من هنا تأتي أهمية تنظيم السرد الإعلامي، وهي ممارسة اتصالية تتجاوز تنظيم الرسائل بالمعنى التقليدي، لتطرح سؤالاً أوسع حول الكيفية التي يمكن أن تتكامل بها قصص المدينة وهويتها وإنجازاتها في سرد واضح، خصوصاً مع تعدد منصات النشر وتسارعها.
لكني أتساءل: لماذا تحتاج مدينة ما إلى تنظيم سردها؟ وأجيب بأن كثرة الرسائل لا تعني بالضرورة وضوح الصورة. فقد تتحدث مؤسسة اقتصادية عن إنجاز، وتعرض جهة سياحية تجربة، وتعلن جهة حكومية مشروعاً جديداً، بينما تقدم مؤسسة أخرى شراكة دولية. كل واحدة من هذه الرسائل قد تكون مهمة في حد ذاتها، لكن اجتماعها من دون سياق واضح قد يترك الجمهور أمام أخبار متفرقة وليس قصة تفهم من خلالها الصورة الأوسع.
وهنا يبدأ دور السرد الإعلامي؛ فالمسألة ليست اختراع قصة أو تقديم الواقع بصورة مختلفة، وإنما وضع الوقائع والإنجازات والرسائل في سياق يساعد الجمهور على فهم ما يحدث، ولماذا يحدث، وما الذي يعنيه.
وهذا يجعلني أفرّق بين إدارة المحتوى وإدارة السرد؛ فالأولى تنشغل بما سيُنشر اليوم، بينما تنظر الثانية إلى ما تقوله الرسائل مجتمعة عن المؤسسة أو المدينة.
وهذه نقطة مهمة في تشكيل الصورة الذهنية؛ فالصورة لا تتكون من رسالة واحدة، وإنما من تراكم ما يسمعه الجمهور ويراه ويقرأه مع مرور الوقت.
لذلك يصبح اتساق الرسائل مسألة تتجاوز اللغة والأسلوب، فعندما تتعدد الجهات المتحدثة، فإن وجود إطار سردي مشترك يساعد على الحفاظ على المعنى العام، بدون أن يلغي خصوصية كل جهة أو يحول الاتصال إلى خطاب واحد.
فالمؤسسات لا تعمل منفردة؛ إذ يتقاطع القطاع الحكومي مع القطاع الخاص، والمشروعات الاقتصادية ترتبط بالسياسات التنموية، والفعاليات تسهم في ترسيخ صورة المدينة، والإنجاز الذي تحققه جهة واحدة قد يحمل دلالات تتجاوز حدودها.
وحين تتحدث كل جهة عن إنجازها بمعزل عن السياق الأوسع، قد تحقق رسالتها تغطية جيدة، لكن الصورة الكلية تظل مجزأة. أما حين ترتبط الرسائل ضمن سرد واضح، فإن كل قصة تضيف معنى إلى قصة أخرى.
وهنا تظهر صلة السرد الإعلامي بالسمعة؛ فالسمعة لا تبنى بحملة واحدة أو بخبر ناجح، كما لا تصنعها العبارات التي تصف المدينة أو المؤسسة بما تريد أن تكون عليه. إنها حصيلة ما يراه الجمهور ويسمعه ويختبره، والسرد يساعد على جعل هذا التراكم أكثر وضوحاً وترابطاً.
لكن السرد لا يستطيع أن يصنع واقعاً غير موجود. فقد تستطيع المدينة أو المؤسسة أن تشرح إنجازاتها، وأن تربط مشاريعها بأهدافها، وأن توضح أثر سياساتها، لكنها لا تستطيع بناء سرد مستدام يناقض تجربة الجمهور. ولذلك يبدأ السرد الإعلامي المهني من الواقع، ثم يمنحه سياقاً.
وتزداد أهمية ذلك في البيئة الرقمية؛ فالجمهور لا يتلقى الرسالة من القناة الرسمية وحدها، بل يقارنها بما يقرأه في وسائل الإعلام، وما يراه على منصات التواصل الاجتماعي، وما يسمعه من المؤسسات والشخصيات المختلفة، وكل هذه الأصوات تشارك في تشكيل الصورة النهائية.
لهذا لم نعد كممارسين للاتصال نتساءل: هل وصلت رسالتنا؟ وإنما نهتم بالسؤال الأوسع نطاقاً وهو: ماذا تقول جميع رسائلنا عندما يراها الجمهور معاً ؟
وهنا تظهر قيمة الانتقال من إدارة الرسائل إلى إدارة السرد؛ فالمدينة أو المؤسسة التي تدير رسائلها فقط قد تنجح في إيصال معلومات كثيرة، بينما المدينة أو المؤسسة التي تدير سردها تحاول أن تجعل هذه المعلومات جزءاً من قصة أكبر، تعكس واقعها وتشرح اتجاهها وتساعد الجمهور على قراءة الصورة الكاملة.
وقد قدمت دولة الإمارات تجارب وممارسات اتصالية متنوعة في مختلف إمارات الدولة، تعكس اهتماماً بتطوير الاتصال الحكومي والإعلامي ودوره في بناء الصورة وتعزيز الحضور والتواصل مع الجمهور.
ومن هنا تفتح تجارب تنظيم السرد الإعلامي نقاشاً حول تنظيم السرد كونه أحد متطلبات الاتصال في المدن التي تتعدد فيها الجهات والأدوار والرسائل. وذلك في إطار السعي إلى بناء إطار يحافظ على اتساق المعنى مع تعدد الأصوات. فالقيمة الحقيقية للسرد الإعلامي هي أن نجعل ما يقوله الجميع مفهوماً داخل الصورة نفسها.
* كاتب في الاتصال الاستراتيجي
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة