كيف ننشر العدالة ونحدّ من الجرائم، أم كيف ننشر الجريمة ونحرّض ضعاف العقول والنفوس على ارتكابها؟ المنطق يقول إنه لا مجال للمقارنة بين الاثنين، لأن الطرح الثاني مرفوض كلياً، وبكل المقاييس والقوانين، وفي كل المجتمعات؛ لكن الواقع يقول شيئاً آخر، إذ بينما تسعى مؤسسات لمكافحة الجرائم ونشر الوعي للحد منها، وبينما يُعقد مؤتمر الأمم المتحدة الخامس عشر لمنع الجريمة والعدالة الجنائية في أبوظبي، نشاهد أعمالاً تنتجها جهات فنية، وتعرضها الشاشات عن جرائم بشعة، تترك أثراً سلبياً في نفوس المشاهدين.
مؤتمر يناقش تعزيز التصدي للجريمة المنظمة العابرة للحدود، وأهمية التعاون بين الدول والمنظمات، وما يتركه من أثر إيجابي في حياة وأمن المجتمعات الإنسانية، ومسلسلات تنبش في القبور، وفي السحر الأسود، والأعمال السفلية، وتقدم أبطالاً من السفاحين والمرضى النفسيين، لا يمكن أن يكون الهدف منها توعوياً، لأنها لا تصل بالجمهور إلى برّ الأمان، ولا تحرّضه على نبذ العنف، ورفض الشر والقتل، بل تكتفي بتقديم «القصة الكاملة» ببشاعة تفاصيلها، وتُدخلنا في أجواء الرعب والاكتئاب، من دون نصل إلى طاقة نور نشعر معها بالانتصار للحق والعدالة.. والأهم، أن هذه القصص تحرّض بطرق غير مباشرة كل مختل، وكل من يعاني أزمة نفسية، ومشكلة اقتصادية أو اجتماعية، إلى سلوك طريق الجريمة، خصوصاً حين يتم عرض جرائم كبيرة أُغلقت ملفاتها، ولم يتم القبض على المجرم الحقيقي، بل قُيدت ضد مجهول.
مسؤولية الأمن الاجتماعي ليست محصورة بالجهات الأمنية، والرسمية، والحكومية والقضائية فقط، بل كل فرد منا مسؤول عن نفسه، وبيته، وأسرته، ومجتمعه، كل منا يتحمل مسؤولية ما يفعله، وما يقوله، وما ينشره في محيطه، فما بالنا بمن يكتب وينتج ويُخرج مسلسلاً، أو أيّ عمل فني يقدمه ليراه ويتابعه ويتأثر بأحداثه ملايين الناس؟ أليس من المفترض طرح سؤال مهم قبل البدء بالعمل لتحديد الهدف منه؟ لمن يتوجه، ولماذا؟ هل عبارة «مأخوذ عن قصة حقيقية» تبرئ العمل وصنّاعه من أيّ أثر سلبي يتركه في الشباب والناس عموماً؟ وهل يصبح أكثر مصداقية وأكثر نجاحاً إذا اعتمد على سرد وقائع بتفاصيل بشعة حصلت فعلياً؟
التوعية ضد الجريمة لا تعني إعادة تجسيدها على الشاشة بهذا الشكل، وبهذه التفاصيل الدقيقة، كي لا تتكرر، بل إن التفاصيل تغري البعض، وتوعيهم على كيفية ارتكاب الجريمة، ويتعلمون منها أشياء غابت عن بالهم. فهل من الصعب على صناع الدراما التعاون مع جهات معنية، سواء أمنية، أو اجتماعية، وعلماء النفس، قبل كتابة وتقديم ما قد يتسبب في زيادة الجريمة، لا الحدّ منها؟
