لم يعد الذكاء الاصطناعي تقنية تقف على هامش المنظومة القانونية، بل أصبح حاضراً في صميم قطاعات تتصل مباشرة بالأفراد والأعمال والإدارة العامة وصناعة القرار. ومع انتقاله من مجرد أداة لتحليل المعلومات إلى أنظمة قادرة على التوصية والتنبؤ وتوليد المحتوى وتنفيذ مهام متتابعة دون تدخل بشري مباشر في كل خطوة، تتغيّر طبيعة المسألة القانونية ذاتها؛ فالتحدي لم يعد مرتبطاً باستيعاب تقنية جديدة فحسب، بل بمدى قدرة القواعد القانونية القائمة على مواكبة قرارات أصبحت الآلة شريكاً في إنتاجها، وبيانات باتت عنصراً أساسياً في بناء القرار، ومخرجات لم يعد من اليسير دائماً تحديد مصدرها البشري بدقة.
برزت المرونة التشريعية في دولة الإمارات مبكراً، لا بوصفها ردّ فعل على أزمة تنظيمية، بل باعتبارها خياراً استراتيجياً واعياً سبق التحدي نفسه. فمنذ استحداث منصب وزير دولة للذكاء الاصطناعي في أكتوبر 2017 -أول منصب من نوعه عالمياً- وإطلاق استراتيجية الإمارات للذكاء الاصطناعي، جرى إدماج هذه التقنية ضمن مسار أوسع للتحول الحكومي والاقتصاد الرقمي وتوظيف البيانات في تطوير الخدمات. وترجم «ميثاق تطوير واستخدام الذكاء الاصطناعي» هذا التوجه إلى مبادئ عملية تتصل بالسلامة والخصوصية والشفافية والرقابة البشرية والحوكمة والمساءلة، ومعالجة التحيّز الخوارزمي، والالتزام بالتشريعات النافذة في الدولة. ويُلاحظ هنا أن هذه المنظومة لم تُنشأ من فراغ تشريعي، بل جاءت لتتكامل مع أطر قائمة بالفعل، أبرزها قانون حماية البيانات الشخصية وقانون حقوق المؤلف والحقوق المجاورة، اللذان امتدّا، دون الحاجة إلى تعديل جوهري، ليستوعبا معطيات المعالجة الآلية للبيانات والمصنفات الرقمية المولّدة بأدوات ذكية.
هنا تتجلّى قيمة المرونة التشريعية بوصفها أكثر من مجرد أسلوب في صياغة النصوص؛ فهي تعني أن تكون القاعدة القانونية قابلة للتطبيق على واقع متغيّر دون أن تفقد غايتها. فالقانون لا يحتاج بالضرورة إلى أن يذكر اسم كل تقنية مستحدثة حتى يحمي الحق الذي قد تمسّه، بل يحتاج إلى أن يكون قادراً على التعامل مع الفعل والأثر والبيانات والمسؤولية، بصرف النظر عن الأداة التقنية المستخدمة في إحداثها. وهذا بالضبط ما يميّز التشريع الاستباقي عن التشريع اللاحق الذي يجري خلف التقنية بدلاً من أن يواكبها.
وتتأكد أهمية هذا النهج بالنظر إلى التسارع اللافت في البنية الرقمية للدولة خلال العامين الأخيرين، ففي أكتوبر 2025، أطلقت بلدية دبي بالشراكة مع دائرة الأراضي والأملاك مبادرة لتوظيف تقنيات التوأم الرقمي في إدارة عمليات المدينة، عبر دمج بيانات التخطيط الحضري والقطاع العقاري لدعم إدارة البنية التحتية واتخاذ القرار. ولم تمضِ أشهر قليلة حتى تطوّرت هذه الخطوة، في يوليو 2026، إلى منصة توأم رقمي متكاملة على مستوى إمارة دبي بأكملها، تدمج البيانات المكانية والتشغيلية -بما يتجاوز مئات آلاف الأصول والمرافق وآلاف الطبقات الجغرافية- ضمن بيئة رقمية واحدة تتيح محاكاة السيناريوهات المستقبلية. وما يستحق التوقف عنده ليس حجم المشروع بحد ذاته، بل إن انتقاله من نطاق بلدي محدود إلى نطاق إماراتي شامل، في غضون أقل من عام، لم يستدعِ فراغاً تشريعياً طارئاً؛ لأن القواعد الناظمة لملكية البيانات والمسؤولية عن استخدامها كانت جاهزة أصلاً لاستيعاب هذا التمدد.
وبمنطق مماثل على المستوى الاتحادي، أعلنت الحكومة الاتحادية في إبريل 2026 إطاراً للتحول إلى الذكاء الاصطناعي المساعد، يستهدف إدماجه في 50% من القطاعات والخدمات والعمليات الحكومية خلال عامين، بما يعكس انتقال النقاش من مجرد استخدام الذكاء الاصطناعي إلى تنظيم الصلاحيات الممنوحة للأنظمة الذكية، وحدود تفويضها، وآليات الرقابة عليها. وتوّج هذا التوجه، في يونيو 2026، باعتماد إنشاء الهيئة الاتحادية للذكاء الاصطناعي والبيانات، بضم مكتب وزير دولة للذكاء الاصطناعي وقطاع المعلومات والحكومة الرقمية ومكتب الإمارات للبيانات، لتكون مظلة وطنية موحدة تُعنى باقتراح السياسات والتشريعات والاستراتيجيات ذات الصلة، ووضع المعايير والأدلة المتعلقة بإدارة البيانات والذكاء الاصطناعي، وتعزيز التكامل بين المبادرات الاتحادية والمحلية.
يكشف هذا المسار المتدرج أن الرهان القانوني الإماراتي في مواجهة الذكاء الاصطناعي لا يتعلق بإصدار نصوص تحمل اسمه، بقدر ما يتعلق ببناء منظومة تعرف سلفاً كيف تتعامل مع أثره أياً كان شكله القادم. وفي دولة تتحرك بخطى متسارعة من الاقتصاد الرقمي إلى منظومات أكثر اعتماداً على البيانات والذكاء الاصطناعي، تصبح قيمة التشريع في قدرته على الاستباق بقدر قدرته على الاستجابة؛ بحيث يفتح المجال أمام الابتكار من جهة، ويضع حدوداً واضحة للمسؤولية وحماية الحقوق من جهة أخرى.
فالقانون لا يحتاج إلى أن يتنبأ بالشكل الذي ستتخذه التقنية في السنوات المقبلة، بل يكفي أن يظل قادراً، مهما تبدّلت أدواتها، على التعرّف إلى الحق الذي يجب حمايته، والفعل الذي يستوجب المساءلة، والبيانات التي تستحق الصون، والقرار الذي ينبغي أن تبقى له، مهما بلغت درجة الأتمتة، يدٌ بشرية مسؤولة.
* مستشار قانوني، شركة تاج مستشارون قانونيون
