يبدو العالم على شفير تحول كبير، إذ هناك أكثر من منطقة مُهدَّدة بالانفجار، لاسيما في أوراسيا وإفريقيا وفي غرب آسيا والشرق الأوسط. وبعض الدول الأوروبية تدعو مواطنيها لتجميع المؤن والاستعداد لشتاءٍ صعب. والكلام الذي سمعه المشاركون في المنتدى العالمي الذي عقد بموسكو بين 17 و19 أيلول/سبتمبر على لسان وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، كان مفاجئاً ومُخيفاً، فقد قال حرفياً «إذا قررت أوروبا مهاجمتنا فستنتهي الحرب سريعاً» في إشارة واضحة إلى إمكانية استخدام السلاح غير التقليدي، وهو يُبيِّن أن منسوب الخلاف لم يعد عادياً.
أما في الشرق الأوسط وغرب آسيا، فالحرب لم تنته، وهي مؤهلة للتصاعُد، أو ربما تكون أمام تسوية، فقد أشار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة «إيران أمام احتمالين: الإبادة أو السماح لها بالازدهار». وفي إفريقيا يتنامى الحراك المؤلِم، وتتصاعد الأعمال الحربية في أكثر من مكان، لاسيما في الكونغو والسودان ومالي ونيجيريا، وللأحداث امتدادات خارجية، وصراع على النفوذ بين الدول الكبرى.
على هامش انعقاد الدور 81 للجمعية العامة، جرت لقاءات واتصالات دبلوماسية رفيعة المستوى، لم يحصل مثلها في المرات السابقة، وحجم حضور المسؤولين من الرؤساء ووزراء الخارجية كان كبيراً. ومن على منبر الجمعية العامة أُطلقت المواقف الكبيرة التي تُعبر عن تشنُّج واسع، وأدلى المتخاصمون بدلوهم بما لا يُبشِّر بخير قادم. وأخذت التجاذبات حول ملف الحرب بين الولايات المتحدة وإيران حيزاً مهماً، وتبيَّن أن الحرب في أوكرانيا حلقة تجريبية لحرب كونية قد تحصل على أرض القارتين المتلاصقتين المتراميتين، خصوصاً بين روسيا والدول الكبرى في الاتحاد الأوروبي.
من أبرز لقاءات واشنطن، اجتماع الرئيسين الأمريكي ترامب والصيني شي جين بينغ، وهو يحمل دلالات مهمة، وطرِحت فيه مواضيع معقدة، ولعلَّ أبرزها هذه المرِّة الملفات الإقليمية، برغم بروز ملفي التجارة والذكاء الاصطناعي إلى الواجهة الإعلامية. للصين مصالح كبيرة وواسعة مرتبطة بمضيقي هرمز وباب المندب، وهي لن تسمح لفريقي النزاع بفرض أمر واقع عليهما.
وفي نيويورك كان اجتماع وزيري خارجية الولايات المتحدة ماركو روبيو وروسيا سيرغي لافروف مهمّاً، حيث تقوم واشنطن بوساطة لإنهاء الحرب في أوكرانيا، وقد سبق هذا الاجتماع لقاء جمع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس وزراء بريطانيا آندي بيرنهام مع الرئيس ترامب، وكانت واشنطن أعلنت عن نيتها سحب 25 ألف ضابط وجندي متمركزين في أوروبا.
على الضفة الأخرى من الحراك النيويوركي، كانت الطاولة المستديرة التي جمعت ترامب برؤساء وفود الدول العربية والإسلامية المعنية بنزاعات الشرق الأوسط، تهدف إلى تحديد شكل العلاقات بين الولايات المتحدة والدول التي شاركت في الاجتماع، كما بُحثت على الطاولة الاعتداءات الإسرائيلية التي ما زالت تستهدف غزَّة والضفة الغربية وجنوب لبنان وسوريا.
المُعطيات المتوافرة تمنح حظوظاً متساوية لإمكانية نجاح مساعي نزع فتيل التشنُّج، كما احتمالات فشل التسويات والحلول السياسية الممكنة في أوكرانيا وإيران.
كما أن الملف الإفريقي أضفى تعقيدات على المشهد، لأن الجانب الأوروبي – خصوصاً فرنسا – يعتبر أن هناك خطة لتقويض النفوذ الأوروبي في القارة لصالح تنامي الدور الروسي والصيني والأمريكي.
كذلك فإن محفظة الرئيس الصيني التي حملها إلى واشنطن كانت ثقيلة، وفيها ملفات كثيرة، بما في ذلك خرائط لتقاسم مناطق النفوذ ومشاريع تسوية للحروب، لكن التفاهم على إنهاء الحرب الافتراضية الدائرة حول خوارزميات الذكاء الاصطناعي أو (الذكاء الفائق) كما أسماه ترامب، صعب جداً، والاستقبال التكريمي الخاص الذي أُعد للرئيس تشي، من قبل الرئيس ترامب شخصياً لا يكفي وحده لتبديد الخلاف، ولا لنزع فتيل الحروب، ويحتاج الوضع لعناية أكبر، ولمجهودات إضافية بعيدة عن الحسابات النفعية الضيقة. فتنامي التوترات والحروب يهدِد الاستقرار العالمي برمته.
