يخوض الحزب الديمقراطي الأمريكي معارك انتخابية لانتزاع الأغلبية في الكونغرس من أيدي الحزب الجمهوري، بعد أن أدت الانتخابات الرئاسية والتشريعية السابقة عام 2024 إلى اكتساح المرشح الجمهوري دونالد ترامب للانتخابات الرئاسية، وتمكُن الحزب من امتلاك الأغلبية في مجلسي الشيوخ والنواب معاً، الأمر الذي أدى إلى تفَرُد الرئيس ترامب بالقرار السياسي، معتمداً على أغلبية مريحة في الكونغرس بمجلسيه، ما أدى إلى تهميش الحزب الديمقراطي وتقليص أي قدرة له على توجيه أو ضبط تفرد الرئيس بالقرار دون أي رقابة أو محاسبة من الكونغرس.
الانتخابات التمهيدية التي أُجريت على مدى الشهرين الماضيين، كشفت عن نجاح وتقدم كبيرين لمرشحي الحزب الديمقراطي، الأمر الذي أثار ذعر الرئيس الأمريكي وحزبه من خسارة الأغلبية في الكونغرس، ومن ثم تعرض الرئيس وحزبه وجماعته السياسية «حركة ماغا»، لما وصفه الرئيس نفسه ب «مآلات خطرة»، قد تصل إلى عزله ومحاكمته وتفكك الحزب الجمهوري وحركة «ماغا»، لكن الأمر اللافِت والمثير، أن الذُعر والتوتر الذي أصاب الرئيس وحزبه من احتمال خسارة الأغلبية في الكونغرس، امتد أيضاً إلى الحزب الديمقراطي نفسه، وعلى وجه التحديد امتد إلى الجناح التقليدي المحافظ داخل الحزب وقياداته المسيطرة على مقاليد الحزب، لسبب أساسي هو أن الفوز الذي يتحقق، يأتي لصالح الجناح التقدمي الاشتراكي، المرفوض بالمطلق من قياداته ومؤسساته الداعمة، وعلى حساب مرشحين مرموقين تاريخياً داخل الحزب محسوبين على جناحه المسيطر التقليدي المحافظ، الرافض لفكر وسياسات الجناح التقدمي الاشتراكي، الذي يقوده السيناتور بيرني ساندرز، والنائبة الكسندريا – كورتيز، اللذان يرفعان راية هذا الجناح داخل الحزب.
هذه الحالة المتفردة والاستثنائية، جعلت هذا التيار التقدمي الاشتراكي بالحزب الديمقراطي، مستهدفاً من كل من الحزبين الجمهوري والديمقراطي معاً. فالحزب الجمهوري يُحارب ضد كل نجاح وتفوق يُحققه الحزب الديمقراطي، لأن محصلته هي خسارة الحزب الجمهوري لأغلبيته داخل الكونغرس، إذا ما استطاع الحزب الديمقراطي تحقيق نصاب الأغلبية بالكونغرس عقب انتخابات التجديد النصفي التي ستُجرى في الثالث من نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل.
أما الحزب الديمقراطي فتنبع أزمته من أن هذا الفوز يأتي في أغلبيته، لصالح الجناح التقدمي على حساب الأغلبية التقليدية المسيطرة على الحزب بقياداتها وشركاتها ومؤسساتها المالية، وأن هذا الجناح يمكن أن يُسيطر مستقبلاً بأفكاره وسياساته التقدمية على الحزب الديمقراطي، وربما تكون له الأغلبية داخل الحزب، وربما يطمح إلى تقديم مرشح لرئاسة الجمهورية في الانتخابات الرئاسية المقبلة عام 2028، أو في الانتخابات التي تليها، الأمر الذي سيُعد بمثابة «انقلاب داخلي» بالحزب الديمقراطي.
من ملامح هذا التحول، الفوز الذي حققه المرشح التقدمي الشاب الدكتور عبدالرحمن محمد السيد (عبدول) في الانتخابات التمهيدية التي أجراها الحزب الديمقراطي بولاية ميتشغان، على منافسته النائبة «هايلي ستيفنز»، المدعومة من حاكم الولاية غرينشن ويتمر وزعيم الأقلية في مجلس الشيوخ السيناتور تشاك شومر، وهما من أبرز القيادات المرموقة داخل الحزب الديمقراطي، والأهم أنها كانت مدعومة وبقوة من منظمة «إيباك» الموالية لإسرائيل، التي موّلت حملتها بما لا يقل عن 30 مليون دولار من إجمالي 60 مليون دولار أُنفقت لصالح هذه المرشحة التي فشلت في الفوز على عبدالرحمن السيد، الذي أعلن أن حملته لم تحصل على دولار واحد من أي تمويل مشبوه، ولم تتكلف عُشر ما أنفقته منافسته.
القيادة السياسية للحزب الديمقراطي عملت كل جهدها من أجل إسقاط عبدالرحمن السيد، لكن الأمر اختلف جذرياً عقب الفوز، فالحزب الديمقراطي بقيادته التقليدية المسيطرة وجد نفسه في مأزق كبير، فإذا ما واصلت قيادته عداءها للمرشح عبدالرحمن في معركته المدعومة بقوة من التيار التقدمي فسوف يؤدي ذلك إلى فوز منافسه الجمهوري العتيد «مايك روجرز» المدعوم بقوة من الرئيس ترامب، ومن ثم خسارة الحزب الديمقراطي لمقعد في مجلس الشيوخ، إذ إن الفوز به سوف يقلب التوازن الهش داخل مجلس الشيوخ لصالح الحزب الديمقراطي.
أما في حال حسم الأمر داخل قيادة الحزب الديمقراطي ودعم معركة عبدالرحمن، وحشد كل أنصار الحزب داخل الولاية لمساندته، وفي مقدمتهم أنصار المرشحة الديمقراطية السابقة «هايلي ستيفنز»، فإن الفوز لن يُحسَب فقط لصالح الحزب الديمقراطي، بل سيُحسَب قبله لصالح التيار التقدمي بالحزب، وهذا معناه أن قيادة الحزب الديمقراطي ستكون مُضطرة لدعم مرشح تيار ينتمي إلى الجناح الذي تخشاه وتحاربه داخل الحزب، في «مفارقة تاريخية»، تُعيد تجديد أزمة علاقة الحزب الديمقراطي مع زهران ممداني واحد أبرز قيادات التيار التقدمي بالحزب.
والمفارقة تقول إن هذا التيار التقدمي يتقدم بنجاح وثبات، لفرض نفسه بقوة داخل الحزب الديمقراطي، وإن «التقدمية» لم تعد تياراً هامشياً بالحزب الذي سيكون مضطراً مستقبلاً لمراجعة هويته وأولوياته وسياساته.
