من الصعب تصور أن اللقاء الذي جمع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون برئيس الوزراء الكندي مارك كارني في أرخبيل سان بيرو ميكلون الفرنسي، الواقع قبالة الساحل الأطلسي لكندا يوم الأحد الماضي، قد جاء «محض صدفة» أو أنه كان «لقاءً عابراً».
الواقع يؤكد أنه كان لقاءً مدبراً بعناية لأسباب كثيرة تتعلق أغلبها بالتوتر المتصاعد في العلاقات بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة من ناحية، وبين كندا والولايات المتحدة من ناحية أخرى، لكنّ هناك سببين كانا وراء هذا اللقاء وبالتحديد في هذا الأرخبيل الفرنسي الواقع في حوض الكاريبي.
السبب الأول هو الرد على التهديدات التي وردت على لسان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للاتحاد الأوروبي ولكندا معاً، عقب اقتراح أورسولا فون ديرلاين رئيسة المفوضية الأوروبية أن تصبح كندا أول «عضو منتسب» أو «عضو شريك» في الاتحاد الأوروبي، في خطوة تهدف إلى التأكيد على التقارب المتزايد بين كندا والاتحاد الأوروبي في ظل تصاعد «المخاطر الجيوسياسية والتوترات» مع واشنطن.
هذا الاقتراح قدمته أورسولا فون دين لاين ضمن خطابها عن «حالة الاتحاد» في ستراسبورغ مؤخراً، بحضور رئيس الوزراء الكندي الذي كان يجلس إلى يسارها. وفي تبريرها لهذا الاقتراح قالت: «تؤمن أوروبا وكندا بالديمقراطية. فالقوة لا تنتمي إلى الأقوى أو الأعلى صوتاً»، كما تحدثت عن تعزيز التعاون مع كندا في مجالات التصنيع والتكنولوجيا والدفاع والطاقة، مشيرة إلى القطب الشمالي، باعتباره «مشروعاً مشتركاً رائداً».
من ناحيته كان كارني قد رحب في اليوم التالي مباشرة بالاقتراح ودعا إلى «تعاون أوثق» مع الاتحاد الأوروبي، ورفض «أن يملي أحد على كندا قراراتها». وقال للصحفيين في مقر البرلمان الأوروبي: «الكنديون موحدون في موقفهم، فلا أحد يملي علينا اللغة التي نتحدث بها، ولا أحد يفرض علينا ثقافتنا أو يحدد لنا مع من نستطيع إبرام اتفاقات على الصعيد الدولي». واختتم كلمته بقوله: «كندا قوية وأوروبا قوية، لكن كندا وأوروبا أقوى معاً».
رد الفعل الأمريكي على هذا التطور جاء غاضباً، وعلى لسان الرئيس دونالد ترامب الذي هدد بفرض رسوم جمركية باهظة على بلدان الاتحاد الأوروبي. كما لوح بقطع العلاقات التجارية كلياً مع كندا. وتهكم ترامب على مقترح رئيسة المفوضية الأوروبية بمنح كندا صفة «عضو منتسب» أو «شريك» في الاتحاد الأوروبي، مشيراً إلى أن مقترحها قد يكون «عملًا عدائياً». وقال: «إذا فعلوا ذلك، وإذا اعتبرت الأمر عملاً عدائياً بأي شكل، فسأفرض رسوماً جمركية صارمة للغاية، وسأوقف التجارة مع أوروبا في العديد من المجالات». تهديدات أمريكية تركت حتماً آثارها على الطرفين الأوروبي والكندي، وباتت تفرض الرد عليها وبلغة لا تقل صرامة وحسماً.
أما السبب الثاني لهذا اللقاء الذي جمع الرئيس الفرنسي، ورئيس الوزراء الكندي، فكان التصعيد الأمريكي الأخير ضد كندا، سواء الحرب التجارية التي شنها ترامب ضد كندا، برفع الرسوم الجمركية عليها وتحويل تلك الرسوم من ورقة تفاوضية إلى مصدر ضغط اقتصادي وسياسي، عقب رفع ترامب الرسوم الجمركية على واردات كندية بقيمة 20 مليار دولار، ورفع الرسوم الجمركية على السيارات الكندية وقطع الغيار إلى نسبة 50% بدءاً من العام المقبل، ثم إصداره أمراً تنفيذياً بتسمية «بحيرة أونتاريو» الكندية ب«بحيرة أمريكا»، استكمالاً لتهديداته بجعل كندا «الولاية الأمريكية رقم 51».
هذا التصعيد الأمريكي في التهديد تجاوز كندا ليطال أرضاً أوروبية، ومنها أرخبيل سان بييرو ميكلون الذي اختير عمداً ليكون مكاناً للقاء الزعيمين الفرنسي والكندي عندما نشر الرئيس الأمريكي منشوراً على وسائل التواصل الاجتماعي قبل أقل من أسبوعين من هذا اللقاء، تضمن خريطة تضم جزر هذا الأرخبيل وكندا وغرينلاند وآيسلندا والمكسيك وأمريكا الوسطى ملفوفة بالعلم الأمريكي، وكُتبت عليها عبارة «الولايات المتحدة الأمريكية».
تعهّد الزعيمين الفرنسي والكندي من على أرض هذه الجزيرة الفرنسية الواقعة في هذا الأرخبيل، بتوثيق العلاقات بين البلدين، جاء بمثابة تصعيد في التحدي المشترك الأوروبي والكندي للرئيس الأمريكي وإدارته، حيث جاءت كلمتا الزعيمين عقب الاجتماع مفعمتين بالتحدي.
ففي كلمته قال رئيس الوزراء الكندي: «مجتمعاتنا تتعرض لهزات بسبب عواصف جديدة: الاضطرابات الناجمة عن تغير المناخ، وتآكل المعايير الديمقراطية، والتهديدات الجديدة لسيادتنا.. حان الوقت لتعزيز علاقاتنا». أما الرئيس الفرنسي فقد أكد أن الحليفين اتفقا على توثيق العلاقات في قطاعات تتراوح بين الفضاء والمناخ والطاقة، وتابع: «نؤمن معاً بالديمقراطية وسيادة القانون، واحترام القانون الدولي، واحترام التجارة الحرة والنزيهة، والاعتماد على العلم كأساس لقراراتنا، والاستقلالية الاستراتيجية التي ندافع عنها».
هناك تصعيد في التحدي الأوروبي والكندي، لكن يظل التحدي الأهم هو إلى أي مدى يمكن لأوروبا وكندا تحويل التحدي من مقترحات وبيانات إلى واقع قادر على فرض حدوث تحول حقيقي في بنية وهيكلة النظام العالمي بعيداً عن الغطرسة الأمريكية؟
