الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

الخط البياني المتصل

3 أكتوبر 2026 00:03 صباحًا | آخر تحديث: 3 أكتوبر 00:03 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
من بين الفروق بين الإنسان وبين الحيوان هو تراكم الخبرة والمعرفة، واستخلاص الدروس، وبالتالي عدم الوقوع في السلبية، لأن الفأر مثلاً يدخل المصيدة نفسها جيلاً بعد جيل ولا تراكم لديه.
ولذلك قيل إن تاريخ المجتمعات عبارة عن خط بياني متصل، له قمم صاعدة وقيعان هابطة واستواءات، ولكنه يجب أن يكون متصلاً.
وإذا تحول الأمر في مسار المجتمع- عبر المكان والزمان- إلى خطوط بيانية قزمية متجاورة، بمعنى أن يأتي نظام ليبدأ من الصفر إلى خمسة مثلاً، ويأتي من بعده ليبدأ من صفر جديد إلى أربعة، ويأتي ثالث ليكرر الأمر من صفر إلى ثلاثة أو ستة، ولكن الخطوط غير متصلة، وأحياناً تكون معادية لبعضها بعضاً، فإنها الطامة الكبرى، التي تقع فيها أيّ أمة، لأنها تحرم من الخبرة المتراكمة ومن دروسها، ولأن تلك الانقطاعات التاريخية يرتد أثرها بالغ السلبية على جوهر وجود الأمة وهويتها الحضارية التي تشمل الثقافة والمدنية.
ولذلك تتسم مراحل الاضمحلال بإنشاء وتكريس وتعميق العداء بين مكونات الوجدان الوطني وهويته، وذلك متصل بانقطاع الاتصال والاستمرار في الخط البياني الذي أشرت إليه.
وكمثال سريع، نجد أن المجتمعات ضاربة الجذور الحضارية، وعبر عصور قديمة ووسيطة وحديثة، بنت فيها حضارتها، تصبح تكويناً أو مركباً لا يمكن إلا أن يستمر بكامل عناصر تكوينه، فإذا فككناه لتلك العناصر الأولية صار قاتلًا لأمته مثلما يأتي أحد ما ضربه العطش فيطلب ماء فيأتيه من يقدم له ذرة أكسجين وذرتي هيدروجين ويقول له: اشرب حتى ترتوي، فتكون النتيجة أنه يموت، رغم أن ما قدم له هو ما يتكون منه الماء.
ومن أسف أن النزوع لتمزيق تاريخ الأمة، واختلاق عداوات بين مراحله، ارتد إلى الهوية الحضارية ليمزقها بدورها، ويجبر الناس على الاحتماء بالهويات الفرعية، كالعائلة والجهة والمهنة والانتماء المذهبي الطائفي، وبدلاً من أن يكون هذا التنوع مصدر قوة، فإنه يصبح مصدر ضعف.

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة