صحيفة الخليج | Author

الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
Author
أحمد الجمال
كاتب
أحدث مقالات أحمد الجمال
6 يونيو 2026
أمهات القبائل العربية

يتصل بما سبق وكتبته عن مكانة المرأة عند العرب قبل الإسلام، أن عدداً غير قليل من مشهور قبائلهم وبطونهم نزعوا إلى أمهاتهم وانتسبوا إليها.

ومما تحفل به كتب التاريخ والأنساب، ونسب قريش، نذكر أمثلة منها «بنو خندف.. ليلى القضاعية»، «وبنو مزينة بنت كلب بن وبرة» وإليها ينتسب ولد عثمان وأوس ابنا عمرو بن أد.

ثم «بنو جديلة بنت مدركة بن إلياس» أُمّ بني فهم وعدوان ولدي عمرو بن قيس عيلان من مضر.. و«بنو الطغاوة بنت جرم بن زيان» إليها ينتسب بنو باهلة وغني.

وكذلك «بنو باهلة» بنت صعب بن سعد العشيرة المذجحية.. و«بنو قيلة» بنت الأرقم بن عمرو«أمّ الأوس والخزرج ولدي حارثة بن ثعلبة بن عمر الأزدي. وكذلك «بنو بجيلة بنت صعب بن سعد» وإليها ينتسب كل ولد زوجها عمرو بن الغوث، ومنهم قبائل أنمار وختعم ووداعة وعبقر والغوث وأشهل وطريف، ثم «بنو عاملة القضاعية».

والقائمة بعد ذلك طويلة فيها ما يعد طريفاً مثل أن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناه بن تميم ولد أحد عشر رجلاً تفرعت منهم قبائل تميم وبطونها، وانتسب منهم إلى أمهاتهم بنو الصحارية، وبنو العدوية، وبنو طهبة وبنو حطيّ وبنو بشة وبنو عفراء وبنو منية.

ثم إن من الملوك العرب من انتسبوا إلى أمهاتهم كعمرو بن هند وأبوه المنذر بن ماء السماء ملك الحيرة.. وماء السماء أمّ الملوك المناذرة هي ماوية بنت عوف بن جشم، بل إنه كثيراً ما كان الشعراء يمدحون كبار الرجال بأمهاتهم مثل الشاعر حذيفة بن غانم الذي أنشد يبكي عبد المطلب بن هاشم:

ولا تنسى ما أسدى ابن «لبنى» فإنه

قد أسدى يداً محقوقة منك بالشكر

وأمك سرٌّ من خزاعة جوهر

إذا حصَّل الأنساب يوماً ذوو الخبر

والشيء بالشيء يُذكر، إذ اقتربت في نهاية ستينيات وبداية سبعينيات القرن الماضي من بعض قبائل سيناء، ونلت شرف القرب من تأسيس منظمة سيناء العربية، وعشت مع أصدقائي من قبيلة السواركة، وفيهم بطن نسبت إلى جدتها «أولاد الذروة» أو الظروة.

وهى امرأة كانت لها خصلة شعر بيضاء ممتدة إلى قمة رأسها، وكانت من قبيلة «بلي»، تزوجها جد السواركة نصير، وهو من ذرية الصحابي الجليل عكاشة بن محصن الأسدي سواركة.

30 مايو 2026
حوار مع تريم والماغوط

كان ذلك في عام 1981، وكان الروائي والشاعر والمثقف السوري الأستاذ محمد الماغوط قد انضم لـ«الخليج»، ليترأس القسم الثقافي، الذي إضافة إلى المادة الثقافية اليومية كان يعمل على إصدار الملحق الثقافي الذي تميزت به «الخليج» لسنوات طويلة.

وأعتقد أنه إذا ما قيض لأحد الباحثين الأكاديميين إعداد أطروحة عن الصحافة الثقافية العربية فسوف يكون ذلك الملحق من أهم مكونات حالة الدراسة.

وكنت أكتب آنذاك زاوية أو عموداً يومياً هو «قضية»، ينشر في أعلى يسار الصفحة الثالثة، وذات يوم صحوت على سؤال من زوجتي الدكتورة فاطمة، بدا استنكارياً أكثر منه استفهامياً: أليس لديكم من ينسق نشر المواد الصحفية في الجريدة.. أنت تكتب مهاجماً المهرج في الصفحة الثالثة والعنوان الرئيسي لصفحة الثقافة هو عرض مسرحية المهرج لمحمد الماغوط في الكويت؟!

وبعدها بساعات استدعيت للجريدة: «الأستاذ تريم يريدك الآن»!

وذهبت ودخلت مكتب الأستاذ تريم، ووجدت الأستاذ الماغوط جالساً يدخن، وشكل الجلسة غير مريح.. ودخل صاحب الجريدة في الموضوع: الأخ الماغوط غاضب من مقالك.. وإما أن يترك الجريدة أو تتركها أنت؟!

ورددت بأننا يجب أن نحتكم لمضمون تعاقدنا مع الجريدة، الذي هو -بالنسبة لي- استنهاض همة الأمة والتركيز على إيجابياتها.. وهذا هو ما أكتب باتجاهه، ولا أدري هل هذا سارٍ على الجميع أم أن الأستاذ الماغوط مستثنى، لأنه يركز على مساوئ ومثالب الأمة العربية؟

وانطلقت ضحكات مدوية من ثلاثتنا، وتبرع الأستاذ تريم بدعوتنا للغداء في أحد المطاعم بالشارقة.

كنت قد كتبت عن «الندابة والمهرج»، وكيف أن الناس تستأجر الندابة بالمال لتكثيف لحظة الحزن، وتستأجر المهرج لتكثيف لحظة البهجة، وكلاهما دخيل على اللحظة.. وهكذا بعض الكتاب.. مثل الندابة والمهرج دخلاء على لحظة الأمة ولا علاقة لهم بتاريخها وحضارتها وعقيدتها.

ولم أفطن إلى أن للماغوط مسرحية اسمها «المهرج»، فتصور أنني أحط من شأنه.. ومر الموقف وصرنا أصدقاء مقربين إلى أن رحل رحمة الله عليه هو والأستاذ تريم.

23 مايو 2026
الجسد.. والجثمان

تعلمت من أستاذي أن أسعى للتركيز على إيجابيات أوطاننا وأمتنا عند قراءة تاريخها أو كتابته، وإذا كان لا بد من عدم تجاهل أحداث بعينها أثرت سلباً في مسيرة الأمة، فإنه ينبغي ذكرها دون الإمعان المتعمد بسبق إصرار وترصد لجعلها السمة الغالبة والقانون الحاكم لكل المسيرة التاريخية.

وكلما قرأت لمن عمدوا وأصروا على ذكر السلبيات وتعظيمها وإغفال أي إيجابيات تذكرت أن الطبيعة فيها ما يشير إلى هذا الأمر، لأننا نعرف ونشاهد حيوانات وطيوراً رمّامة أو قمّامة أو آكلات الجيف ولا تتغذى إلا على جثث الحيوانات النافقة المتحللة، ومنها الضباع وابن آوى والراقون والدببة، وخنافس الجيف، ومنها في الطيور نسور وغربان وحدأة ونوارس.. وهكذا هو حال «الرمامين» أو «القمامين» في مجالات الكتابة التاريخية والاجتماعية بوجه عام، يبذلون أقصى طاقتهم في البحث والتنقيب عن المثالب التي وقعت في أزمان ماضية، ولا يشفع ما شهدته تلك الأزمان من عظمة وإنجاز وإيجابيات، وكأنهم بإلحاحهم هذا يريدون أن تبقى الأوطان والأمة في حالة تجعلها تتحول من جسد إلى جثمان، حيث الفرق هو أن الجسد تكوين حي تمارس أعضاؤه وظائفها، يتنفس ويأكل ويشرب ويتناسل ويخرج الفضلات ويصح ويمرض، ويفكر ويدبر ويسمع ويرى ويتذوق ويلمس ويحب ويكره، ويمضي في علاقات متشابكة مع غيره من البشر ومع الطبيعة، إلى آخر ما ليس له حصر.

أما الجثمان فهو ميت، لا وظائف لأعضائه، وكل تشابكاته في داخله، حيث تنشط وبقوة كل عوامل وآليات التحلل الداخلي، وتتخلق فيه وتتكاثر الكائنات الدقيقة التي مهمتها مزيد من التحلل وما ينتج عنه من غازات وروائح بشعة كريهة.

ولقد صادفت واقعة، كنت أحد أطرافها خلال السنوات الأولى من الإصدار الثاني لـ«الخليج»، وفيها، مع الفارق، جرى حوار ساخن كان أطرافه المرحوم الأستاذ تريم عمران، والمرحوم الشاعر والأديب الأستاذ محمد الماغوط، رئيس القسم الثقافي آنذاك، والعبد لله، وتلك حكاية أخرى.

16 مايو 2026
«إن لم نحمهن فلا بقينا..»

من الحديث عن المناهج العلمية في البحث وفي التوثيق التاريخي وأصول الأمانة العلمية؛ أنتقل إلى ما يعده البعض وجبة خفيفة سريعة، وأجدني إزاء مائدة مفتوحة، عليها قصاع ممتلئة من صنوف بغير حصر.

وقد عدت إلى مصادر ومراجع تتصل بمكانة المرأة العربية، قبل الإسلام وبعده، ووجدت أن المشهد قبل الإسلام لم يكن كله ظلماً وظلاماً، رغم الوأد ورغم العبوس والغم عند التبشير بالأنثى.

ثم صادفت سرداً تاريخياً وأدبياً معتبراً، فيه حكايات بديعة عن أبناء رفعوا أمهاتهم فوق كل الهامات، ومنهم عمرو بن كلثوم، الذي يروي الأصفهاني- صاحب الأغاني- هذه الواقعة عنه؛ إذ كان عمرو بن هند، ملك الحيرة، في مجلسه، وقال لجلسائه: «هل تعلمون أحداً من العرب تأنف أمه من خدمة أمي؟»، فقالوا: نعم.. أم عمرو بن كلثوم، قال: «ولم؟» قالوا: «لأن أباها مهلهل بن ربيعة، وعمها كليب وائل أعز العرب، وبعلها كلثوم بن مالك أفرس العرب، وابنها عمرو بن كلثوم سيد قومه وليث كتيبتهم».

فأرسل عمرو بن هند إلى عمرو بن كلثوم ليزوره ويسأله أن تزور أمُّه أمَّه، فأقبل ابن كلثوم من الجزيرة في جماعة من تغلب، وأقبلت ليلى معهم.. وضرب عمرو بن هند رواقه وأرسل لوجوه مملكته فحضروا، وأدخلت ليلى إلى هند في قبة إلى جانب الرواق، وصرفت هند الخدم، ثم قالت لزائرتها ليلى أم عمرو بن كلثوم: «ناوليني يا ليلى ذلك الطبق» فقالت ليلي في نفور وأنفة: لتقم صاحبة الحاجة إلى حاجتها، فأعادت هند طلبها وألحّت، وإذ ذاك صاحت ليلى: وا ذلاه.. يا لتغلب!

وسمعها ابنها فثار الدم في عروقه وانتفض قائلاً: «لا ذل لتغلب بعد اليوم»، ثم نظر حوله فإذا سيف معلق بالرواق ليس هناك سيف غيره، فوثب إليه وأطاح به رأس ابن هند، وأنشد يومئذ معلقته المشهورة مرتجلاً، ومنها أبيات تحفظ إلى الآن:

ألا لا يجهلن أحد علينا.. فنجهل فوق جهل الجاهلينا

بأي مشيئة عمرو بن هند.. تطيع بنا الوشاة وتزدرينا

تهددنا، وأوعدنا، رويداً.. متى كنا لأمك مَقْتَوِيْنَـا

على آثارنا بيض حسان.. نُحَـاذِرُ أَنْ تُقَسَّمَ أَوْ تَهُوْنَـا

إذا لم نحمهن فلا بقينا.. لشيء بعدهن ولا حيينا

ثم.. أجدني أسارر نفسي وأتمنى أن تكون أوطاننا هي أمهاتنا «إن لم نحمهن فلا بقينا..».

9 مايو 2026
صفحة من تاريخ الخليج

في الآية الـ 17 من سورة «الرعد»، يقول الحق سبحانه وتعالى: «فأمّا الزّبَدُ فيذهبُ جفاءً وأمّا ما ينفَعُ الناسَ فيمكثُ في الأرضِ» صدق الله العظيم.

تُلحّ هذه الآية الكريمة على ذهني مراراً وتكراراً كلما أوغلت السباحة في نهر مؤلفات العالم الجليل صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي الذي اختار أن يهجر الزَّبد والغُثاء واللغو ليعمل على بذر وصنع ما ينفع الناس، وهو العلم والثقافة والعمران والإنتاج وبناء الإنسان، ليصل لمرحلة النفس الراضية المرضية المطمئنة.

وفي ذلك تفاصيل هائلة لا تحتوي ما يتصل بالإمارات فقط، وإنما تمتد إلى الجهات الأربعة، إذ ما من جهة إلا وجدنا بصمة حضارية «ثقافية- ومدنية» للرجل ولإمارة الشارقة.

وربما يسعفني ما تبقى من عمر لرصد وتحليل معالم تلك البصمة، التي يبقى أهم ما فيها هو بناء الإنسان.

واليوم، أواصل السباحة في «مجمع التواريخ لشبه الجزيرة العربية وفارس» لأصل إلى الجزء الخاتم، وهو المجلد الثالث والثلاثون، الذي يضم بين دفتيه أحداث خمسة عشر عاماً تمتد من عام 1796 إلى العام 1810 ميلادي.

وفي مقدمة المجلد، كتب المؤلف الدكتور سلطان عن أنها مرحلة شهدت تحولات كبرى في ميزان القوى بين الدولة العثمانية وبين القوى الأوروبية، خاصة فرنسا وبريطانيا، حيث تبرز الأحداث الدور البارز للبعثة الفرنسية في مسقط، والدور الفرنسي المتنامي في محاولة للوصول إلى الخليج العربي عبر الدبلوماسية، ثم كيف توترت العلاقات بسبب الحرب البحرية بين فرنسا وبريطانيا، إلا أن فرنسا لم تتوقف عن السعي لتثبيت موطئ قدمها في الخليج.

وفي السياق الوثائقي التوثيقي نفسه، يشير المؤلف إلى الوثائق العثمانية التي تضم مجموعة أوامر وأحكام موجهة إلى ولاة بغداد والبصرة ومصر والحجاز، وتركز على حماية البصرة.

وتتناول المراسلات أوضاع فارس والعراق والاضطرابات الاقتصادية والسياسية، الأمر الذي يظهر أن الدولة العثمانية كانت في حالة استنفار إداري دائم، للحفاظ على سيطرتها على أطرافها العربية في وجه التهديدات الداخلية والخارجية.

وهنا أعيد بعض ما كتبته عن أننا أمام سفر علمي ومصدر أصلي يؤرِّخ وثائقياً للعلاقات الدولية في القرون السابع عشر والثامن عشر وحتى مطلع التاسع عشر، ويلقي إشعاعاً قوياً على أوضاع الخليج في تلك الفترة.

2 مايو 2026
التاريخ وفهم الحاضر

يهدف ما يُنشر في هذه المساحة من عرض شديد الاختصار لبعض مؤلفات العالم الجليل صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي إلى محاولة لخدمة الباحثين في مجالات التاريخ والعلاقات الدولية والاجتماع والأنثروبولوجي والجغرافيا بأنواعها السياسية والاقتصادية والبشرية، وفي مجال مناهج البحث العلمي والتوثيق والأدب، لأن مؤلفاته التي تنوعت بين تلك الفروع العلمية والمعرفية، تمثل مقوماً مهمّاً من مقومات مشروع النهضة العلمية والفكرية والأدبية الذي تتبنّاه الشارقة، وتضيف إلى مداميكه مداميك قوية متتالية، تشكل حائط صد حضاري ثقافي ومدني، يحمي ويؤصل لمقومات وجود الأمتين العربية والإسلامية.

وقد وصلت في مقال الأسبوع الفائت إلى استعانة سموه بالأرشيف العثماني ضمن عدة أرشيفات دولية ليستقي المادة الوثائقية لإحدى درر التاريخ العربي والدولي الحديث، وهي كتابه «مجمع التواريخ» الذي نشر في ثلاثة وثلاثين مجلداً.

وكان الأرشيف الفرنسي هو سادس الأرشيفات الدولية التي اطّلع على وثائقها وضمّنها كتابه، ويشير في مقدمته إلى أن الفرنسي تنقسم وثائقه لقسمين، أولهما وثائق أرشيف وزارة الخارجية الفرنسية- باريس- فرنسا، وثانيهما أرشيف دائرة الوثائق في مدينة كان Caen فرنسا- أوراق الجنرال ديكان Decan.

والقسم الأول يضم ملفات بعثة السيد جوزيف دي بوشامب وتمتد من 1783 إلى 1810، ووثائقها من أبرز الوثائق الدبلوماسية الفرنسية التي تتناول تاريخ عُمان والخليج العربي خلال القرن الـ 19، وتضم تلك الوثائق مجلدين رئيسيين، يقدم المؤلف نبذة عن محتوياتهما التي احتوت، ضمن ما احتوته، رصداً لتطور العلاقات الفرنسية- العمانية والتنافس مع النفوذ البريطاني والهولندي، إلى جانب بيانات عن التجارة والملاحة وحركة السفن في موانئ الخليج.

أما أوراق الجنرال ديكان، فتعد مصدراً أولياً مهماً لفهم السياسة الفرنسية تجاه الخليج وموقعه، ضمن الاستراتيجية البحرية الفرنسية الأوسع في المحيط الهندي خلال القرن التاسع عشر.

وفي اعتقادي أن من يريد فهم ما يجرى في مرحلتنا هذه عليه أن يقرأ ذلك التاريخ، الذي عكف المؤلف على جمع وثائقه لمدة أربعين عاماً.