حين كتبت قصة «عذاب» التي تحولت إلى مسلسل «أبي عفواً» في التسعينيات، لم أكن أكتب قصة عائلية عابرة، بقدر ما كنت أحاول الاقتراب من جرح اجتماعي صامت يعيش داخل كثير من البيوت التي تتمسك بفكرة تفضيل الذكور، والنظرة إلى البنت بوصفها أقل أهمية، أو أقل قدرة على حمل اسم العائلة ومسؤولياتها.
من خلال هذه القصة طرحت سؤال: ماذا لو كانت الابنة هي السند الحقيقي للعائلة، بينما يظل الجميع منشغلين بالحلم بالابن الذي سيحمل العبء؟
لم يكن هدفي في القصة مهاجمة المجتمع أو إدانته، بل محاولة جعل المشاهد يرى التفاصيل الصغيرة التي يصنع منها الناس أفكارهم اليومية، لإيماني بأن الفن يجعلهم يشعرون بأنهم يشبهون الشخصيات، ثم يكتشفون، فجأة، أنهم كانوا على خطأ من دون قصد.
إن الاستفزاز في الأدب والفن لا يعني الصدام الفارغ، بل القدرة على تحريك الوعي، وكسر الصمت حول القضايا الاجتماعية المعقدة. فالمجتمع الذي لا يراجع نفسه يظل أسير عاداته القديمة، بينما تساعده الأعمال الأدبية والفنية على اكتشاف أخطائه الإنسانية، والتفكير في طرق أكثر تسامحاً وعدالة.
عُرفت اللبنانية حنان الشيخ بأعمالها التي كشفت التناقض بين الصورة المثالية التي يحب المجتمع أن يظهر بها، وبين المشاعر الإنسانية الحقيقية المختبئة خلفها.
وأثارت روايات التركية اليف شافاك، نقاشات واسعة بسبب تناولها قضايا الهوية، والمرأة، والتعايش الاجتماعي، والصراع بين الحداثة والتقاليد، وطرحها أسئلة إنسانية حساسة حول نظرة المجتمع إلى المختلف، وكيف يمكن للأفكار المسبقة أن تعزل الإنسان عن ذاته، وعن الآخرين.
إن الكتابات التي تتميز بقدرتها على استفزاز القارئ فكرياً، من دون خطابة مباشرة، هي الأكثر تأثيرا في كشف هشاشة الإنسان داخل المجتمع، وهي ليست خطرة كما يظن البعض، بل محاولة لتطويره من الداخل، ومساعدته في مناقشة القضايا التي ستخلق مجتمعاً أكثر وعياً وقدرة على فهم ذاته.
ولعل القيمة الحقيقية للفن والأدب لا تكمن في أنهما يقدمان إجابات جاهزة، بل في أنهما يملكان الشجاعة لطرح الأسئلة الصعبة برقيّ، ولغة رفيعة، تلامس العقل والقلب معاً، وتدفع الإنسان إلى التأمل في ذاته ومجتمعه من دون صخب.
إن الفن الحقيقي لا يفرض الحقيقة على المتلقي، بل يفتح أمامه أبواب التفكير، ويمنحه فرصة لرؤية العالم بعيون أكثر اتساعاً وإنسانية. وربما لهذا السبب تبقى الأعمال العظيمة حيّة عبر الزمن، لأنها لا تخاطب عصراً واحداً، بل تخاطب الإنسان في ضعفه، وأسئلته، وحلمه الدائم بأن يصبح أكثر وعياً، ورحمة، وجمالاً.
