في كل موسم، تتحول قاعات معارض الكتب في الدولة إلى مدن ثقافية تعج بممرات مزدحمة ورفوف تتراص فيها العناوين الجديدة والأغلفة الجذابة وتتحلق حولها ملامح وجوه تحمل آمالاً واسعة بالحصول على عناوين جديدة لديها القدرة على غرس شغف القراءة فيها.
إنهم يدخلون ويخرجون محملين بالكتب كما لو أنهم يحملون غنائم. وقد يبدو معرض الكتاب في ظاهره مناسبة تجارية موسمية، لكنه في حقيقته اختبارات سنوية لسؤال أعمق عن علاقتنا بالكتاب، وهل تمنحنا هذه المعارض ما نحتاج إليه منها؟
كان خورخي لويس بورخيس يقول: «لطالما تخيلت الجنة على هيئة مكتبة»، وفي عبارته ما يذكرنا بأن قيمة المكان المملوء بالكتب لا تكمن في كثرة عناوينه وحدها، بل في الشعور بالاكتشاف والدهشة والاتساع الذي يمنحه للإنسان.
إن أول ما يقاس به نجاح أي معرض هو عدد الزوار وعدد دور النشر المشاركة وحجم المبيعات وعدد العناوين الجديدة، وهي مؤشرات مهمة تعكس حيوية القطاع وقدرته على الاستمرار اقتصادياً، فلا يمكن لصناعة النشر أن تُبنى على الشغف وحده لأن الكاتب يحتاج إلى من يقرأه والناشر يحتاج إلى أن يبيع ما ينشره والمكتبة تحتاج إلى التمويل.
لكن عدد الزوار ليس هو الإنجاز الوحيد الذي يقيس نجاح المعرض، بل هناك أثر حقيقي يتركه في وعي الزائر وهو قدرته على تغيير علاقة الناس بالكتاب ومساعدة الزائر على اكتشاف كاتب لم يسمع به، وأن يمنح الطفل أول تجربة سعيدة مع القراءة، وأن يفتح أمام الأسرة فرصة لتقرأ معاً، وأن يتيح للكاتب لقاءً حقيقياً مع قرائه، بعيداً عن منصات التوقيع وأن يخرج كل زائر بكتاب سيقرأه فعلاً ليعيد الكَرّة ويشتري غيره، لأنه اكتشف كاتباً جديداً غير طريقة تفكيره وجعله يتمسك بعادة القراءة ولا يستطيع التخلي عنها.
إن المعرض فضاء للقاء الحقيقي بين الكاتب والقارئ، وهذا ما يجعله أكثر من منصة عرض للكتب، ومنصة كبرى تصنع لحظات لقاء مقصودة بين الكتاب والقراء مثل ورش كتابة صغيرة، ونقاشات مفتوحة لا تفصل المتحدث عن الجمهور، ومساحات هادئة للقراءة وسط الضجيج. وإذا أردنا إعادة تعريف نجاح معرض الكتاب، فربما يكون المعيار الأصدق هو الأثر المؤجل أي ما يحدث بعد أن تطوى الأجنحة وتغلق الأبواب، مثل ازدياد عدد أندية القراءة ومناقشات الكتب وارتباط عائلة بكتاب وقرار ناشر أن يعيد طباعة كتاب لأنه مؤثر ومهم.
