الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

الذكاء الاصطناعي.. «إمسك حرامي»

3 أكتوبر 2026 00:02 صباحًا | آخر تحديث: 3 أكتوبر 00:02 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
لن تكون حادثة النصب والاحتيال التي تعرّضت لها سيّدة بريطانية عبر الذكاء الاصطناعي قبل أيام هي الأخيرة، بل هي البداية التي تتحوّل فيها الحداثة التكنولوجية إلى وسيلة للإجرام العالمي المُنظّم، فقد وقعت تلك السيدة في وهم علاقة عاطفية عبر شخصية تقنية مؤلفة بالصوت والصورة، لتكتشف أن عصابة ذكاء اصطناعي سرقت من حسابها البنكي 140 ألف جنيه إسترليني، وأن قصتها العاطفية لم تكن سوى أكذوبة.
الكذب الاصطناعي موجود أيضاً، وبكثرة، في تلك التوليفات الأدبية القائمة على نصوص من الشعر والقصة والرواية والمقالة الصحفية، لا بل أخبرني أحد الزملاء أن هناك صحفيين يعتمدون اليوم كلياً في موادّهم اليومية على آليات الذكاء الاصطناعي، والأمر كلّه يتلخّص في رؤوس أقلام قليلة وسريعة يرسلها الصحفي للذكاء الاصطناعي، ثم يطلب منه مادة صحفية في 400 أو ألف كلمة إذا أراد، وفي خلال أقل من دقيقة تكون المادة جاهزة، وتحت تصرّف الصحفي.
بالطبع، إن المادة الصحفية أو غير الصحفية التي ينجزها الذكاء الاصطناعي هي بلا روح ولا رائحة، إنها زهور بلاستيكية جميلة، ولكنها بلاستيك في النهاية، وليست نباتات مزروعة في ماء أو تراب.
هذه الشعرية الغنائية التي نتحدث بها الآن ونحن نقارن بين البلاستيك والماء لا يعترف بها الذكاء الاصطناعي، ولا يعترف بها كتّاب وصحفيو الصناعة، العابرة للحدود والزمن والقارّات، فهؤلاء هم في الحقيقة من جيل ثقافة السرعة، أما «الشعريّون»، فهم من جيل ثقافة البطء والتذوّق والتأمل، الطائفة الأولى تأكل وتنام وتعمل وفق ذكائها المصنّع والمبرمج على أرقام وخوارزميات كما يقولون، والطائفة الثانية لديها الشيء الكثير من الاسترخاء، لكن لا يمكن أن يُسمّى: الكسل.
نعم، الإبداع البشري بكل ما فيه من ذكاء، وأخطاء وإخفاقات، لا يولد مشدوداً أو متوتراً أو ناقص الخلقة والتكوين. إنه، إذا أردت، ذكاء ابن التسعة شهور إلى حين اكتمال الطبيعة الآدمية في الرحم البشرية، في حين أن أدب أو كتابة أو صحافة الصناعة والرقم والآلة لا رحم لها، ولا لها ذلك الهدوء الفطريّ الذي يصنع الجمال.
الجمال هو مربط الفرس في الثنائية الثقافية المفروضة علينا اليوم، وهي ثنائية ذكاء الكمبيوتر وذكاء البشر، والجمال لا يُباع في مراكز التسوق الكبرى ولا في مصانع الديجتال والشرائح المعرفية الخيالية، بل الجمال كالهواء، نتنفسه ونعيش من خلاله، ولكننا لا نراه، وعبقريته تكمن في أننا لا نراه.
مشكلة الذكاء الاصطناعي أنه مرئي تماماً، مكشوف تماماً، وبإمكانه أن يسرق في وضح النهار 140 ألف جنيه إسترليني من سيدة مسكينة عمرها ثمانين عاماً.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة