الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

مصداقية النظام الدولي على المحك

4 أكتوبر 2026 00:07 صباحًا | آخر تحديث: 4 أكتوبر 00:08 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
يختزل المثل الشعبي المصري الشهير «أسمع كلامك أصدقك، أشوف أمورك أستعجب» الحالة الراهنة للنظام الدولي وهو يتابع خطابات الرؤساء وممثلي الدول في الجمعية العامة للأمم المتحدة. تحولت المنصة الأممية إلى ساحة للخطب الرنانة والإدانات الواسعة ضد الجرائم الإسرائيلية المتواصلة في قطاع غزة والضفة الغربية والدول المحيطة. بدت القضية الفلسطينية في هذه المحافل وكأنها تحولت من قضية العرب المركزية إلى قضية العالم المركزية بعد أن استحوذت على المساحة الأكبر من كلمات الدول، وذلك بعد سنوات من محاولات التهميش والإنكار.
المنظمة الدولية بكل هيئاتها بذلت الكثير كي تردع إسرائيل وتوقفها عن التمادي في ارتكاب الجرائم منذ بدء حربها على غزة، وكانت النتيجة هجوماً مضاداً من إسرائيل وأمريكا على كل الفاعلين في المنظمة التي تعتبر أنها قد أدت واجبها بالخطب والتصريحات، وفي خطابه أمام الجمعية العامة اعترف الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش بأن المنظمة لم تعد تملك سوى الكلام خلال تحذيره من تآكل الثقة في النظام الدولي ومن استمرار تجاهل القانون الدولي وحقوق الإنسان، بعد أن أشار إلى أن ما يشهده قطاع غزة يمثل مستويات مروعة وغير مسبوقة من الموت والدمار وغياب المساءلة.
الصحوة الخطابية للعديد من ممثلي دول مختلفة تصطدم بواقع مرير يعكس فجوة هائلة بين الكلام والفعل، وبين الإدانة الدبلوماسية والقدرة على لجم الخارج على الشرعية، وقد تجسد هذا التناقض الصارخ في مشهد انسحاب وفود 82 دولة من قاعة الجمعية العامة فور صعود رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لإلقاء كلمته. كان المشهد تعبيراً رمزياً قوياً عن الرفض الدولي الواسع للسياسات التوسعية الإسرائيلية وحرب الإبادة والتدمير، لكن بدلاً من أن يشكل هذا الموقف الجماعي رادعاً أو صحوة للضمير السياسي الإسرائيلي، قوبل بصلف وغرور معهودين؛ ومن على المنصة الأممية وداخل أروقة المنظمة الدولية، شن نتنياهو ومساعدوه هجوماً حاداً وتنمراً على تلك الدول، ونعت نتنياهو المنظمة الدولية بـ «بيت الظلام» وبأنها «مستنقع معاداة السامية» في تحدٍ سافر للإرادة الدولية ومبادئ القانون الدولي.
جوهر الأزمة أن المنظومة الدولية تعيش حالة من العجز الدبلوماسي والسياسي المزمن، ومواقف الإدانة ومقاطعة الوجود الإسرائيلي من دول كثيرة لم يعد له صدى حقيقياً يغير من الواقع شيئاً. بقيت هذه المواقف مجرد كلمات تُلقى وتُسجل في محاضر الجلسات دون أن تترجم إلى قرارات سياسية واقتصادية نافذة؛ ولو أن هذه الدول، وخاصة المؤثرة منها، حولت كلماتها إلى أفعال ومواقف ملموسة لعاشت إسرائيل عزلة دولية حقيقية وخانقة، عزلة كفيلة بدفع المجتمع الإسرائيلي وقيادته إلى الاستفاقة وتغيير السلوك، بما يمهد لتحولها إلى دولة طبيعية تحترم المنظومة الدولية ولا تعتدي على الجيران وتعترف بحل الدولتين وتؤمن بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، وتتوقف عن التدمير والتخريب، وتخضع لمتطلبات السلام العادل والشامل.
غياب المحاسبة يغذي شهية الاحتلال لتوسيع رقعة الصراع، ويهدد بهدم ما تبقى من استقرار ودفع المنطقة نحو توترات وقلق دائمين، والعجز يفتح الباب على مصراعيه لإشعال حروب جديدة تُضاف إلى رصيد إسرائيل المتخم تاريخياً بالحروب، ما يهدد الأمن والسلم الدوليين بشكل مباشر.
حان الوقت لتدرك الدول التي انسحبت وأدانت أن البيانات الصحفية والخطب الحماسية لا تحمي طفلاً ولا شيخاً ولا امرأة في غزة، ولا توقف جرافة في الضفة، ولا تمنع طائرة من قصف مدينة أو عاصمة عربية، وأن الحل هو الانتقال من مربع الإدانة والكلام إلى مربع الفعل والقرار لكسر حلقة الغرور الإسرائيلي، وإنقاذ المنطقة من حرب شاملة لا تبقي ولا تذر.
استمرار الفجوة بين الكلام والفعل لا يضعف القضية الفلسطينية وحدها، بل يضعف الثقة بالمؤسسات الدولية نفسها، وعندما يشعر طرف بأن الإدانات لن تتجاوز حدود المنصة الأممية، فقد لا يرى سبباً كافياً لتغيير سياساته.
هكذا يصبح المشهد أكثر خطورة، العالم يتحدث كثيراً، ويحتج كثيراً، ويدين كثيراً، بينما تستمر الوقائع على الأرض في إنتاج مزيد من الضحايا والدمار والتوتر.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة