مرّ نحو عام ونصف العام على بدء المعارك الحقيقية بين الولايات المتحدة وإيران، إذا ما علمنا أنه في 21 يونيو/ حزيران 2025 نفذت الولايات المتحدة ضربات على منشآت نووية إيرانية وذلك بعد الضربات الإسرائيلية التي بدأت بتاريخ 13 يونيو/ حزيران 2025، وقد ردّت إيران بتوجه ضربات ضد إسرائيل والقواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة، بل إن الضربات تجاوزت القواعد لتطال منشآت مدنية خليجية. ولا تزال الحرب قائمة بين شد وجذب، ووقف إطلاق النار وانتهاكه.
ورغم ما ستسفر عنه الاتصالات الجارية لاحتواء التصعيد، وجب القول، لقد مرّ أكثر من 15 شهراً والعالم يتفرّج، باستثناء باكستان ودول إقليمية أخرى، على حرب انعكست مفاعيلها على العالم أجمع، وتعاني من تبعاتها الاقتصادية والسياسية والإنسانية.
بعد هذا الزمن المليء بالتوتر والآلام والألغام، نطرح سؤالاً، لا يبدو متأخّراً، لأنه لم يشهد أي تغيير، يتعلّق بالموقف الحقيقي للدول الكبرى من هذا الصراع الدموي بين الولايات المتحدة وإيران.
ولن نتجاوز الولايات المتحدة لأنها ترى في إيران خصماً إقليمياً يهدد مصالحها وحلفاءها في الشرق الأوسط، وأنها تسعى لعدم امتلاك إيران القنبلة النووية، في الوقت الذي يشهد السلاح النووي فوضى في الانتاج والحيازة، وهذا لا يعني تأييد إيران في برنامجها النووي.
ولو رصدنا مواقف بعض الدول الكبرى سنجد أن الصين لديها معارضة للعقوبات الأحادية والضغوط العسكرية على إيران، وتدعو إلى الحلول الدبلوماسية. لكنها في الوقت نفسه تتجنب الدخول في مواجهة مباشرة مع واشنطن من أجل إيران، فمصالحها التجارية العالمية أوسع من علاقتها بطهران، كما تعد إيران مورداً مهماً للطاقة. أما روسيا، وهي أقرب سياسياً إلى إيران من معظم القوى الكبرى الأخرى، فهي تعارض الضغوط الأمريكية على طهران، وقد دعمتها دبلوماسياً في مجلس الأمن، لكن هذا الدعم لا يعني استعداداً لخوض حرب مباشرة ضد الولايات المتحدة دفاعاً عن إيران.
أما موقف الاتحاد الأوروبي فهو وسطي بين واشنطن وطهران. الأوروبيون يعارضون امتلاك إيران سلاحاً نووياً، وينتقدون برنامجها الصاروخي وبعض سياساتها الإقليمية، لكنهم يفضلون التسويات الدبلوماسية وإحياء الاتفاقات النووية بدلاً من المواجهة العسكرية. أما الهند، فتحاول الحفاظ على توازن دقيق، علاقات جيدة مع الولايات المتحدة من جهة، ومع إيران من جهة أخرى بسبب اعتبارات الطاقة.
ولو فنّدنا موقفي فرنسا وبريطانيا بصفتهما من الاتحاد الأوروبي بشكل عام، سنجد فرنسا ترى أن إيران تتحمل جزءاً أساسياً من المسؤولية بسبب برنامجها النووي، وانتقدت الضربات الأمريكية والإسرائيلية لأنها جرت خارج إطار الشرعية الدولية، وكذلك بريطانيا أكدت أن إيران يجب ألا تمتلك سلاحاً نووياً، وأدانت الهجمات الإيرانية على دول المنطقة.
وبذلك نجد أن معظم دول الاتحاد الأوروبي تفضّل في النهاية بقاء الولايات المتحدة الطرف الأقوى استراتيجياً، خلافاً لروسيا التي لا تتمنى انتصاراً أمريكياً واضحاً، والصين لا ترغب في هزيمة أمريكا ولا في انتصار إيراني يزعزع الاستقرار، بل تفضّل توازناً يمنع الهيمنة الأمريكية الكاملة ويحافظ على مصالحها الاقتصادية، بينما تميل الهند سياسياً وأمنياً نحو واشنطن أكثر مما تميل نحو طهران، لكنها تحرص على عدم خسارة علاقتها مع إيران، لذلك تتجنب إعلان أي تفضيل صريح. ولا يمكننا تجاهل إسرائيل في هذا المضمار، لأنها، وعلى اختلاف حكوماتها، ترى أن إيران تمثل التهديد الاستراتيجي الأكبر لأمنها بسبب برنامجها النووي وشبكة حلفائها الإقليميين، وهي لاعب رئيسي في الصراع.
لقد تحدثنا عن موقف الهند رغم أنها ليست من الدول الكبرى، لهذا وجب الحديث عن باكستان التي قادت المسعى السلمي والمفاوضات بين أمريكا وإيران، والواقع أن باكستان تتحمس دائماً للتهدئة، فهي تشترك مع إيران بحدود طويلة، وتخشى من تدفق اللاجئين، وفي الوقت نفسه تربطها بإيران علاقات جغرافية وتجارية ودينية لا تستطيع تجاهلها، لذلك فإن الانحياز الكامل لأي طرف يُكلفها الكثير. وفوق ذلك، يعمل ملايين الباكستانيين في دول مجلس التعاون.
وتبقى قضية مهمة تتعلق بتغيير النظام الإيراني أو إسقاطه، وتقف الولايات المتحدة ومعها الاتحاد الأوروبي في حالة توجّس من إسقاط النظام، بسبب خلق الفوضى التي لا أحد يعلم مدى استمراريتها، ولا أحد يعلم طبيعة النظام الذي سيخلف النظام الحالي، وفوق ذلك، يخشى الجميع تكرار ما حدث في العراق وأفغانستان. وتنقسم الإدارة الأمريكية ما بين تغيير سلوك النظام الحالي وإسقاطه، وهذا الواقع، يجعل أطراف الصراع، وهم كثرٌ، يعانون مآزق تتعلق بكيفية وقف إطلاق النار، وربما استمرارية الحرب.
في المحصّلة، لقد طالت هذه الحرب أكثر مما يجب، في ظل صعوبة تحديد الخاسر والرابح، ومن جهة أخرى، لم تبذل الدول الكبرى الجهد الكافي لإنهاء هذه الحرب، لأنها تتماهى مع الموقف الأمريكي بشأن عدم السماح لإيران بامتلاك السلاح النووي. وهذا الهدف، كما يبدو لم يعد من الأولويات، بسبب احتلال مضيق هرمز واجهة الأحداث والمفاوضات. فهل تتغلب المصالح الاقتصادية على الأهداف العسكرية؟.
