يتّجه العالم إلى مزيد من الأزمات، بعلمه أو بغير علمه، وفي الحالتين، لا يتغيّر شيء من الحيثيات والوقائع التي تجتمع وتزيد من الأزمات وتراكمها. إنما من المؤكد أن المفكّرين الاستراتيجيين يعلمون أي كارثة يأخذ العالم نفسه إليها، وربما يعرف بعض السياسيين هذا الأمر، ومن المؤكد أيضاً أن العديد من السياسيين والقادة العسكريين لا يعلمون في أي اتجاه تسير الأمور، وإن أدركوا ذلك فإنهم يضعون سيناريوهات تخدم مصالحهم ورؤاهم وفرضياتهم.
ولا شك أنهم يعرفون أن العالم يتجه نحو مزيد من الأزمات، ذلك أن تقرير المخاطر العالمية للمنتدى الاقتصادي العالمي (وهو متاح)، يصف المرحلة الحالية بأنها «عصر المنافسة»، ويعيدها إلى تصاعد المواجهات الجيوسياسية والاقتصادية، وتراجع التعاون الدولي، وازدياد هشاشة الأنظمة.
هذا كلام تقرير رسمي لا يشخصن الأحداث، وأظنه يتحدّث بتجرّد، والتقرير نفسه يعتبر أن المواجهة الجيو-اقتصادية، هي الخطر الأكبر للعام الحالي، والسبب: تُستخدم التجارة والتمويل والتكنولوجيا كسلاح سياسي، ثم تأتي النزاعات المسلحة في مرتبة ثانية، بسبب استمرار الحروب في الشرق الأوسط وأوكرانيا، وهو أمر مثير للدهشة أن تحتل النزاعات المسلحة المرتبة الثانية للتوتر العالمي وليست الأولى. وما يثير الاهتمام أيضاً أن التقرير يضع عامل الاستقطاب الاجتماعي (وهو عامل مدني)، بما تعنيه من انقسامات داخلية في المجتمعات ما يهدّد الاستقرار السياسي. ولعل عامل الذكاء الاصطناعي لا يكاد يخطر على بال أحد، لكنه يحتل المرتبة الخامسة بما يوفّره من معلومات مضلّلة في الفضاء الرقمي، بناء على بينات مقحمة.
ببحث بسيط، نجد أن أقطاب المواجهات الجيوسياسية والاقتصادية في 2026 تتمثل في الأصل في الولايات المتحدة والصين وروسيا، مع دخول الاتحاد الأوروبي وبعض دول الخليج كلاعبين مؤثرين عبر الاستثمار في الطاقة والتكنولوجيا، إضافة إلى دور الهند وتركيا في إعادة تشكيل التوازنات الدولية. وهذه القوى تستخدم التجارة، والتمويل، والتكنولوجيا، والطاقة كسلاح سياسي في «عصر المنافسة» الجديد.
فالولايات المتحدة يهمها المحافظة على هيمنتها عبر تحالفات أمنية واقتصادية، وتستخدم العقوبات والقيود التكنولوجية ضد أعدائها. والصين تسعى إلى توسعة نفوذها عبر الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، وروسيا تضغط على أوروبا عبر الطاقة والحرب في أوكرانيا، وتوظف أدوات اقتصادية وعسكرية لتعزيز نفوذها.
أما الاتحاد الأوروبي فيواجه تحديات داخلية، ورغم ذلك، يبقى قوة اقتصادية مؤثّرة، خصوصاً في مجال التشريعات الرقمية والبيئية. وهناك قوى إقليمية صاعدة مثل الإمارات والسعودية وقطر، تستثمر بكثافة في الطاقة المتجددة والتكنولوجيا، وتدخل سباق الذكاء الاصطناعي كأداة نفوذ استراتيجي، أما تركيا، فتتجه إلى التحالفات الدفاعية وتعتمد على موقعها الجغرافي بين آسيا وأوروبا، والهند توازن بين الغرب وروسيا وتستثمر في التكنولوجيا والطاقة لتصبح قطباً اقتصادياً عالمياً.
يمكننا أن نفهم مما سبق، وبشكل مباشر، كيف أنه يزيد من التوتر العالمي ويساهم في خلق الأزمات، لكننا كنّا نشكّ في دور الاستقطاب الاجتماعي في زيادة حدة التوتر في العالم. ويقول التقرير السابق إن الانقسامات الداخلية تُعتبر من أخطر العوامل التي تزيد حدة التوتر عالمياً، لأسباب عديدة منها تسييس الهويات، بمعنى أنه عندما تتحول الهوية الدينية أو العرقية أو اللغوية إلى أداة سياسية يؤدي ذلك إلى انقسام في المجتمعات، ويفتح المجال أمام الصراعات الداخلية. وبالإضافة إلى تسييس الهوية هناك تغذية النزاعات، حيث تُستغل الانتماءات الطائفية سياسياً ما يؤدي إلى اندلاع حروب أهلية مدمرة.
قد نُدهش حين تُدرج التقارير الذكاء الاصطناعي ضمن أسباب أو عوامل زيادة التوتر في العالم، ومع شيء من البحث، نعلم أن الذكاء الاصطناعي أصبح في 2026 أحد أبرز عوامل التوتر العالمي، لأنه يُستخدم كسلاح اقتصادي وعسكري وسياسي، ويُعيد تشكيل موازين القوة بين الدول الكبرى، خصوصاً الولايات المتحدة والصين، وتشير تقارير إلى أن سباق السيطرة على تقنيات الذكاء الاصطناعي يهدد الاستقرار الدولي ويزيد احتمالات الصدام المباشر بين القوى العظمى.
ويتضح دور الذكاء الاصطناعي في المجال العسكري من خلال استخدام الطائرات المسيّرة، وأنظمة الاستهداف الذاتي، والهجمات السيبرانية، ما يجعل الحروب أكثر سرعة وتعقيداً، ويضعف قدرة المؤسسات الدولية على ضبطها. ونعلم أيضاً أن الذكاء الاصطناعي يُستخدم للتأثير على الرأي العام عبر تحليل البيانات الضخمة، وإنتاج محتوى مزيف، ما يهدد الثقة بالعملية الديمقراطية. إضافة إلى ذلك، فإن الدول تعتمد على الذكاء الاصطناعي للتنبؤ بالأزمات وهذا يجعل البيانات مورداً استراتيجياً جديداً يُستخدم كسلاح اقتصادي.
وهكذا، فإن زيادة التوتر في العالم لا تأتي من فراغ، فالإنسان، ومن ورائه الدولة، ثم الشركات العابرة للقارات يساهمون بقدر عالٍ في زيادة التوتر عالمياً، وأتصوّر أن الإنسان العادي يدرك بطريقة أو بأخرى تلك الأسباب، وينعكس هذا الإدراك على أساليب حياة المواطنين في العالم أجمع.
