ليس مصادفة أن يأتي ملتقى الشارقة للخط في دورته الجديدة تحت شعار «ميزان»، فالمعنى هنا يتقاطع أولاً مع ما عودنا عليه الملتقى في دورات سابقة، لقد شهدنا في السابق: «ارتقاء»، «جوهر»، «نقطة»، وكلها مفردات تنهل من روح الحضارة العربية والإسلامية، وجميعها تدعو للتأمل وتبحر بنا بين زوايا وأركان مخبوءة تنتظر من يكشف عنها، ويتقاطع ثانياً مع روح الثقافة في الشارقة.
إذا فتحنا المعجم وتجولنا قليلاً في معاني كلمة «ميزان» سنعثر على ما يتقاطع مع فضاءات وآفاق عدة، المفردة مفتوحة على العدل، وما يوزن به الشيء، وما يستخدمه الإنسان من أدوات ليتوصل به إلى الآراء السديدة، وهنا معنى يحيل إلى المنطق، ولا تلبث في موقع آخر أن تنتقل إلى معنى علمي، والميزان أيضاً أداة لتحديد وزن الأجسام، فضلا عن مفردات اقتصادية وأيضاً فلكية...الخ.
مع «ميزان» نتجول في اللغة بصحبة مفردة ثرية ولكننا في حضرة الملتقى، والشارقة على وجه الخصوص، نشعر بأننا أمام ميزان الثقافة، الذي يأخذ من كل أطرافها بقدر، حتى تتوازن الأمور في معادلة منضبطة.
نعم الشارقة تتعامل مع الثقافة بميزان دقيق، بداية من الرؤية والاستراتيجية، مروراً بالمعنى والدلالة، وليس نهاية بترجمة كل هذا في مشروعات لا تهدأ على مدار العام، لكل الفئات الاجتماعية، تجذب الزوار أحياناً وتذهب إلى الجمهور في أحيان أخرى.
في الشارقة نلمح التوازن المدروس بين كل ما ينفتح على العصر وما يذكرنا بمكامن القوة في الذات: في الكتاب والمسرح والفنون، في معرضين للكتاب.. أحدهما للأطفال، في ملتقى للفنون الإسلامية وبينالي يتماس مع الفنون الحديثة وما بعدها، والنماذج عديدة، ولا يتوقف التوازن هنا على طبيعة النشاط الثقافي وحسب، ولكننا نلمسه في التدرج بين الأنشطة المحلية والعربية والعالمية..وفي الارتقاء بالإنسان والاهتمام بالعمران، ففي الشارقة تسير الثقافة دوماً على قدمين ثابتتين و نحلق معها على جناحين ونعي العالم من خلالها عبر كفتيّ ميزان دقيقتين.
في كل مكان وعبر أي نشاط، سنلاحظ التوازن، وفي ملتقى الخط يترجم ذلك بوضوح، نحن أمام خطوط كلاسيكية تقليدية، وفن حروفي تجديدي، نشاهد لوحات لإماراتيين وعرب، وأيضاً لفنانين أجانب عشقوا الخط وتعاملوا معه بصرياً، نستمتع بالفرجة ونُعمل أدوات تأملنا مع الندوة الفكرية على هامش الملتقى، نذهب إلى ساحة الخط، ولكن هناك أماكن أخرى تستضيف أعمال الملتقى، في الشارقة لا نهاية للفكرة، وهي لا تركن إلى نظرة أحادية أو رؤية منغلقة، ولكن هناك دوماً ما يكمل هذه الفكرة ويرنو بها إلى مغامرة تأخذ بالعقل قبل القلب، بل تجمعهما معاً.
في الخط هناك توازن بين العقل والعين، بين التفكير والوجدان، بين الكتل الفنية التي تتشكل منها اللوحة، بين انثناءات وامتدادات الحرف، بين الجهد البشري ودخول التكنولوجيا الحديثة هذا المجال الفني، بين كلمات ومعانٍ تنهل من تراث أدبي وديني وصوفي يذكرنا بإنسانيتنا، وألوان وزخارف تثير فينا البهجة والفرح، في الخط هناك شكل ومضمون، معنى ومبنى، رمز ودلالة، والخطاط الناجح هو من يمسك الميزان بمجامع قلبه لكي يحاور المشاهدين.
في الخط بصر وبصيرة، الأول سريع لحظي ممتع، والثانية متمهلة ومتروية وتبقى لتترك الأثر، الأول يتعلق بالحرف ومنطوق الكلمة، والثانية ترتبط بمكنون المعنى ومحتوى الرسالة، الأول مشاع للجميع، والثانية مضنون بها على غير أهلها. الخط: علن وخفاء.. وضوح وغموض، كان دوماً هكذا، من هنا قاوم الخط الفناء، واستمر حياً في الذاكرة والمدونة الكتابية.
تتحاور في الشارقة كل أطراف الفعل الثقافي، يتحدث الكتاب، وتتكلم الفنون، ويبوح المسرح، واليوم نحن على موعد مع همس الخط، لنستمع إليه في صمت ولنأخذ بقبس منه يذكرنا دوماً أن الحياة نفسها قائمة على ميزان دقيق، لا يجب أن يطغى فيه طرف على آخر وإلا اختلت الرؤية، وهو وضع لا يمكننا تخيله في شارقة ميزان الثقافة.
