عندما نتحدث عن تعاقب الأجيال، غالباً ما يُختزل المفهوم في مجموعة من الإجراءات الفنية، مثل إعداد الوصايا، وإنشاء صناديق الاستئمان، وتوزيع الحصص. إلا أن الخبرة في العمل عن قرب مع العائلات تكشف أن تعاقب الأجيال لا يتعلق بمجرد انتقال الثروة، بل يمتد في جوهره إلى نقل الحكمة والقيم والغاية من جيل إلى آخر.
وفي عالم الخدمات المصرفية الخاصة، ثمة مقولة مفادها أن الثروة يمكن نقلها بتوقيع، أما الحكمة والقيم فلا تنتقل بالطريقة نفسها، بل يجب أن تُعاش وتُمارس وتترسخ عبر الأجيال. ومن هنا تبرز حوكمة العائلة باعتبارها عنصراً محورياً في ضمان استمرارية الإرث.
ولا تعني حوكمة العائلة إضافة المزيد من الإجراءات البيروقراطية، أو إنشاء طبقات من اللجان والهياكل التنظيمية المعقدة على الورق، بل تقوم في جوهرها على بناء منظومة من الثقة، ووضع أطر تساعد العائلات على التعامل مع التعقيدات، والتوفيق بين وجهات النظر المختلفة للأشقاء وأبناء العمومة، ومواءمة طموحات الأجيال، وتحقيق التوازن بين الحفاظ على إرث العائلة وإتاحة المجال أمام حرية ريادة الأعمال على المدى الطويل.
وفي غياب الحوكمة، قد يتحول تعاقب الأجيال إلى حدث مفاجئ يربك العائلة، بل قد يصبح في بعض الحالات مصدراً للخلاف. أما في وجود أطر واضحة للحوكمة، فيتحول إلى رحلة متكاملة يجري خلالها إعداد كل جيل وتوجيهه وتمكينه من تحمل المسؤولية بكفاءة ووعي.
إرساء أسس متينة
يتزايد عدد العملاء الذين يطرحون الحاجة إلى إنشاء هياكل رسمية تحدد بوضوح أدوار أفراد العائلة ومسؤولياتهم. وغالباً ما يتمحور السؤال حول كيفية البدء في معالجة هذه المسألة التي قد تتسم بالحساسية والتعقيد، والتوقيت الأنسب لذلك.
وتتمثل إحدى أولى الخطوات وأكثرها أهمية في تحديد القيم الأساسية التي تمثلها العائلة. ولا يشترط أن تتطابق هذه القيم بصورة كاملة مع طبيعة الأعمال التي تديرها، وإن كانت غالباً ما تتداخل معها. فعلى سبيل المثال، من المرجح أن تعكس العائلة التي تولي أهمية كبيرة للحفاظ على البيئة هذه الرؤية في ممارساتها التجارية ومبادراتها الخيرية.
ولا تبقى هذه القيم المشتركة مجرد تطلعات، بل يتم توثيقها رسمياً فيما يعرف بـ«الدستور العائلي»، الذي يشكل حجر الأساس لحوكمة العائلة، ويحدد القواعد الرئيسية المنظمة لمجموعة من المسائل، بدءاً من التخطيط لتعاقب الأجيال وتسوية النزاعات، وصولاً إلى القروض العائلية وسياسات توزيع الأرباح.
وإلى جانب الدستور العائلي، ينبغي إنشاء «مجلس العائلة»، الذي يمكن النظر إليه باعتباره أشبه بمجلس إدارة للعائلة، ويضم أفراداً من ذوي الخبرة يتولون مسؤولية رعاية رؤيتها وقيمها، وضمان احترام القواعد المنصوص عليها في الدستور العائلي والالتزام بها.
ويشكل الدستور العائلي ومجلس العائلة معاً جوهر منظومة الحوكمة، ويوفران الإطار الذي يدعم استمرارية إرث العائلة، سواء في الأعمال أو العمل الخيري أو إدارة الثروات.
ولا تكون هذه العملية سريعة أو سهلة في العادة؛ إذ تشير خبرتنا إلى أنها قد تستغرق ما بين عام وخمسة أعوام، وفقاً لحجم العائلة وطبيعة العلاقات بين أفرادها ومدى استعدادهم لخوض نقاشات قد تكون صعبة في بعض الأحيان.
وغالباً ما يمثل التوصل إلى توافق حول هذه الأسس الجزء الأكثر تحدياً، لا سيما لدى العائلات الكبيرة التي تتعدد فيها وجهات النظر والطموحات. ولهذا، من الضروري البدء بالتخطيط لحوكمة العائلة في أقرب وقت ممكن، ويفضل أن يكون ذلك في ظل وجود الجيل المؤسس، بما يتيح لمؤسس العائلة أو مؤسستها صياغة رؤية طويلة المدى ووضع خريطة طريق يمكن للأجيال المقبلة الاسترشاد بها.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في الشرق الأوسط، حيث تقف المنطقة في قلب مرحلة غير مسبوقة من انتقال الثروات بين الأجيال، بالتزامن مع تحولات اقتصادية واجتماعية متسارعة. ومن هنا، يصبح إنشاء هياكل حوكمة قوية في الوقت الراهن أمراً أساسياً للحفاظ على إرث العائلات وتمكينها من تحقيق نمو مستدام في المستقبل.
دور الخدمات المصرفية الخاصة في ترسيخ حوكمة العائلة
يبرز الدور الحيوي للخدمات المصرفية الخاصة عندما يدرك المؤسس أهمية الحفاظ على الانسجام العائلي، بالتوازي مع إتاحة المجال أمام حرية ريادة الأعمال. فكثيراً ما يُنظر إلى الخدمات المصرفية الخاصة باعتبارها مجرد جهة مؤتمنة على الأصول ومسؤولة عن إدارتها المالية بأمان، إلا أن دورها يتجاوز ذلك بكثير.
فأكثر المصرفيين الخاصين فاعلية لا يقتصر دورهم على إدارة الثروات، بل يعملون أيضاً كميسّرين ووسطاء، ويساعدون في تقريب وجهات النظر بين الأجيال وتحويل تطلعات المؤسسين إلى هياكل عملية يمكن للجيل التالي البناء عليها. ومن خلال التوسط بين الرؤى المختلفة، يسهمون في ضمان عدم الاكتفاء بالحفاظ على رأس المال، وإنما مواءمته أيضاً مع القيم الأساسية للعائلة.
وبصفتنا قادة ومستشارين ومؤتمنين في هذا المجال، ندرك مسؤوليتنا عن إعادة صياغة الطريقة التي يتم بها التعامل مع الحوكمة وتعاقب الأجيال. فانتقال الثروات المرتقب في الشرق الأوسط أمر لا مفر منه، لكن ما يهم فعلياً هو الكيفية التي سيتم بها هذا الانتقال، وما إذا كان الجيل المقبل سيتسلم هذا الإرث وهو يمتلك وضوحاً حقيقياً في الغاية والمسؤولية.
وقد أثبت التاريخ مراراً أن العائلات التي تضع أطر الحوكمة في وقت مبكر، وتشجع الحوار المفتوح، وتشرك الجيل التالي بصورة مدروسة، هي الأكثر قدرة على الاستمرار. ولذلك، نسعى إلى الارتقاء بهذه النقاشات إلى ما هو أبعد من الوثائق والهياكل، لتشمل المعنى والاستمرارية على المدى الطويل، بما يساعد العائلات على مواءمة استراتيجياتها المالية مع أطر الحوكمة، وضمان انتقال الثروة والقيم معاً إلى الأجيال التالية.
دعوة إلى التحرك
بالنسبة للعائلات، الرسالة واضحة: ابدأوا الحوار من الآن، ولا تنتظروا وقوع حدث معين ليكون الدافع إلى التغيير. ابنوا أطر الحوكمة ليس حول رأس المال وحده، وإنما حول قيمكم الأساسية أيضاً، وأشركوا الجيل المقبل ليس باعتباره مستفيداً سلبياً، بل طرفاً فاعلاً ومؤتمناً على غاية مشتركة.
أما بالنسبة للمصرفيين الخاصين والمستشارين، فالمسؤولية لا تقل أهمية؛ إذ ينبغي تجاوز حدود الدور القائم على المعاملات، والانتقال إلى دور المرشد الموثوق الذي يساعد العائلات على تحويل استراتيجياتها المالية إلى إرث مستدام. فالدور لا يقتصر على إدارة رأس المال، وإنما يمتد إلى بناء أسس الاستمرارية.
وفي نهاية المطاف، يتجاوز تعاقب الأجيال مسألة انتقال الثروة المالية، ليتمحور حول ضمان بقاء العائلات متماسكة وقادرة على مواجهة التحديات ومتمسكة بغايتها، حتى بعد وقت طويل من توقيع الوثائق.
وفي صميم ذلك كله حقيقة بسيطة :الثروة ليست ما يوحّد العائلات، بل الغاية المشتركة. وحين تُصاغ هذه الغاية بوضوح وتتبناها العائلة، فإنها تصبح الإرث الأكثر استدامة على الإطلاق.
وهذا، أكثر من أي رقم في الميزانية، هو المقياس الحقيقي للنجاح.