أمر حالياً بتجربة كالتي عاشتها شخصيات مسرحية صمويل بيكيت «في انتظار جودو»، وربما أقسى نفسياً وجسدياً؛ إذ صدمتني سيارة، ولم أفق إلا داخل العناية المركزة بمستشفى، وما كدت أسترد وعيي كاملاً، واجهت شيئاً لم أواجه في حياتي بهذا الثقل المخيف، وهو الانتظار.
الانتظار ليس مجرد فراغ زمني، هو تجربة وجودية تكشف هشاشة الإنسان أمام الزمن، حين يتمدد الإنسان على سرير غرفة صامتة، أو يجلس، كما هي حال شخصيات بيكيت في محطة قطار فارغة، أو أمام باب مغلق، ويكتشف أن الزمن لا يمر كما اعتاد؛ بل يتكثف ويتحول إلى عبء. في تلك اللحظة، يصبح الانتظار هو الحدث، هو التجربة التي تضع الإنسان أمام ذاته بلا أقنعة.
جسدت مسرحية صموئيل بيكيت هذا المعنى بعمق، حين جعلت شخصياتها تنتظر شخصاً لن يأتي، ومع ذلك يستمر الحوار، التكرار، والفراغ، وكأن الانتظار نفسه هو الحقيقة الوحيدة التي يعيشونها.
في الانتظار، يتوقف الفعل، لكن الوعي لا يتوقف؛ بل يصبح أكثر حدة وقلقاً وانكشافاً، الإنسان في لحظة الانتظار يواجه ذاته ومخاوفه ومعنى الزمن حين يتوقف عن التدفق الطبيعي.
الانتظار قد يكون مملوءاً بالأمل أو مثقلاً باليأس، يتأرجح فيه الإنسان بين الترقب والملل، بين الحلم والواقع، هذه تجربة كثيفة، تضع الإنسان في مواجهة مع المجهول، وسط حالة من التوتر الوجودي الذي لا ينتهي، فهو لا يملك سوى أن يعيش الزمن كما هو، بلا قدرة على تغييره، هذه التجربة تكشف أن الحرية التي يتحدث عنها الفلاسفة ليست مطلقة، لأن الإنسان يظل دائماً أسير الزمن، أسير اللحظة التي لا يستطيع أن يتجاوزها.
لكن الانتظار ليس فقط عبئاً؛ بل هو أيضاً فرصة ليكتشف الإنسان نفسه، يراجع حياته، يتأمل معنى وجوده، كثير من الأفكار العميقة تولد في لحظات الانتظار، لأن العقل يجد نفسه بلا فعل خارجي، فيلتفت إلى الداخل، إلى الأسئلة الكبرى، إلى المعاني التي يتجاهلها في زحمة الحياة. الانتظار يصبح مختبراً داخلياً، حيث تتحول الأفكار والهواجس إلى شخصيات تتحاور في عقل الإنسان، كما في مسرحية بيكيت، حيث الحوار بين الشخصيات هو في الحقيقة حوار داخلي يكشف فراغ الوجود.
لحظة الانتظار هي لحظة الحقيقة أيضاً، لأنها تكشف للإنسان أنه لا يملك السيطرة الكاملة على حياته، وأنه مهما خطط ورتب، ستظل هناك لحظات لا يملك فيها سوى أن ينتظر.
