الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

45 دقيقة في ظلام «هرمز»

6 أكتوبر 2026 00:25 صباحًا | آخر تحديث: 6 أكتوبر 00:26 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
لنتخيل المشهد: على عمق ثلاثة طوابق تحت سطح الماء، لا توجد نوافذ، ولا سماء، ولا أصوات للمحيط. هناك فقط الهدير الرتيب لمحرك ديزل عملاق يدفع ناقلة نفط محملة بملايين البراميل عبر مضيق هرمز. في تلك اللحظة، كان مهندس الوردية يدوّن قراءات الضغط الروتينية، قبل أن يبتلع سكون الليل دويّ ارتطام معدني عنيف زلزل البدن الفولاذي للسفينة وأطاح كل شيء.
انطفأت الأضواء دفعة واحدة، وخيّم ظلام دامس ثقيل، أعقبه صرير صفارات الإنذار المتقطعة واشتعال وميض الطوارئ الأحمر ورائحة دخان كبريتي خانق. عبر أجهزة الاتصال المشوشة، جاء صوت الربان متقطعاً ومذعوراً: «مقذوف أصاب مؤخرة السفينة... هناك حريق يمتد قرب المداخن، وفقدنا الطاقة بالكامل». في تلك الثواني المعدودة، تبخرت كل حسابات السياسة الدولية، وتلاشت خطابات التهديد والبيانات الدبلوماسية، لم يكن هناك سوى بحارة مدنيين يقفون فوق خزان نفطي عائم يغلي، يحاصرهم شبح انفجار كارثي وظلام يعطل كل آليات الإطفاء الآلية.
طوال (45) دقيقة حبست الأنفاس، خاض الطاقم معركة مستميتة ضد الوقت وسط الدخان والمياه الرغوية لتشغيل المولدات الاحتياطية ومحاصرة النيران قبل أن تصل إلى خطوط الوقود الحيوية. نجت الناقلة بأعجوبة، وانطلقت أنوار الملاحة مجدداً لتواصل طريقها، بينما سجّل ضباط هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية بلاغاً روتينياً جديداً عن «سفينة تعرضت لضربة بمقذوف غير محدد».
إن تطورات المشهد البحري في مضيق هرمز، وما تسجله تقارير هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية والوكالات الدولية المتخصصة من حوادث استهداف متكررة تطول ناقلات الشحن وسفن النقل التجاري، تعيد تسليط الضوء على حساسية هذا الشريان الذي يتدفق عبره قسم جوهري من إمدادات الطاقة العالمية. فالمسألة هنا تتجاوز التجاذبات الميدانية لتطول أسس الملاحة الدولية المنصوص عليها في المواثيق والمعاهدات الأممية، حيث تقتضي القوانين البحرية والأعراف المستقرة تجنيب خطوط التجارة المدنية وناقلات البضائع أي احتكاكات ناجمة عن الخلافات السياسية أو العسكرية بين الدول.
نعود للمشهد المتخيل، فلم يعد مجرد حادثة فردية معزولة، بل بات مرآة تعكس الواقع اليومي القاتم في مضيق هرمز، حيث تدفع الملاحة المدنية ثمن صراع الإرادات ولعبة حافة الهاوية المستعرة بين واشنطن وطهران. إن تكرار هذه الضربات، التي تتواتر وفق التقارير الدولية، يكشف كيف تحولت شرايين التجارة العالمية إلى رهينة لرسائل ميدانية متهورة، تصيب الاقتصاد الدولي وتعرّض أرواح الأبرياء للخطر تحت وطأة مواجهة سياسية مفتوحة. وما كان بالأمس حادثاً استثنائياً يتصدر العناوين، أصبح اليوم بنداً عابراً في نشرات الأخبار اليومية.
إن الخطاب المتشدد واستعراضات القوة المتبادلة بين واشنطن التي تلوّح بضربات عسكرية ساحقة وتوسيع دائرة «الإقصاء الاقتصادي»، وطهران التي تتوعد بحرب استنزاف وتقايض التهديدات البحرية بملفات العقوبات، يتجاهلان الثمن الإنساني والبيئي الفادح لهذه المقامرة. فتحويل ممر استراتيجي يعبر منه شريان الطاقة العالمي إلى ساحة لاستهداف السفن التجارية بالمسيّرات والصواريخ يمثل نسفاً لقواعد القانون الدولي، ولا يمكن تبريره بأي مساومات تفاوضية. فالمياه الدولية ليست ملكاً لأحد، وحرية الملاحة فيها حق أصيل كفلته اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لجميع الدول، شاطئية كانت أم غير شاطئية.
وتمتد تداعيات هذا التصعيد إلى ما هو أبعد من مسرح الأحداث المباشر، فقد قفزت أقساط التأمين البحري على السفن العابرة للمضيق إلى مستويات قياسية، واضطرت شركات شحن عالمية إلى تحويل مساراتها عبر طرق أطول وأكثر كلفة، ما ينعكس ارتفاعاً في أسعار الطاقة والسلع يتحمله المستهلك في كل مكان. كما أن البحّارة أنفسهم، وهم الحلقة الأضعف في هذه المعادلة، باتوا يعملون تحت ضغط نفسي هائل، إذ يدركون أن كل عبور للمضيق قد يتحول إلى اختبار للنجاة.
أمام هذه المخاطر المحدقة، يتأكد مجدداً أن المزايدات العسكرية طريق مسدود يدفع الجميع إلى حافة الهاوية. إن أمن الخليج العربي والممرات المائية الدولية ليس ورقة ضغط يملك أي طرف العبث بها، وحماية الأرواح وتجنيب المنطقة انفجاراً شاملاً يتطلبان شجاعة سياسية توقف استهداف الملاحة فوراً، وتُسكت لغة البنادق والمسيّرات لإفساح المجال أمام حلول دبلوماسية عقلانية تحفظ استقرار المنطقة واقتصاد العالم.
إن أمن الملاحة وحرية حركة التجارة في منطقة الخليج العربي يمثلان مصلحة إقليمية ودولية عليا لا تقبل المساومة. وقد أثبتت التجارب أن سياسات الاحتواء والحكمة التي تنادي بها دائماً دول مجلس التعاون، والداعية إلى التهدئة وتغليب الحوار واحترام السيادة وحسن الجوار، هي السبيل الأنجع لدرء مخاطر الانزلاق إلى مواجهات لا تخدم سوى اتساع دائرة الاضطراب. إن الحفاظ على سلامة البحارة، وحماية البنية التحتية للطاقة، وضمان استمرار التدفق الآمن للتجارة، تظل مسؤولية جماعية تتطلب نزع فتيل الأزمات، وتقديم منطق الدبلوماسية الوقائية قبل أن تفضي الحسابات الميدانية المعقدة إلى تداعيات تؤثر في استقرار المنطقة واستقرار النظام الاقتصادي العالمي بأسره.
* دكتوراه في إدارة الأزمات والمخاطر
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة