تنشأ داخل المجتمع جماعات ذات عصبية حزبية وأيديولوجية وإثنية ودينية وطائفية تسري فيها روح الجمهور ويحملها تعصبها إلى الانعزال وتخضع لخطاب يعززه.
تتكوّن لدى الجماعات المنعزلة الأرواح المنعزلة والعقل المنعزل، ولا تستطيع هذه الجماعات، بحكم بنيتها المغلقة، أن تلد من رحمها الشخصية الفردية، أي الذات الواعية بقيمة ذاتها ومكانتها خارج الجماعة.
بل إنها تنشئ الكائن الذي لا يعي وجوده إلا بوصفه تعيّناً لوجود الجماعة، ولا يرى ذاته إلا في مرآتها. ولهذا يظل كائناً في حالة ما قبل الذات، فالذات لا تولد إلا حين يعي الإنسان فرديته بوصفها قيمة مستقلة، ويعي حريته بوصفها شرطاً لوجوده الإنساني.
ولأن عضو الجماعة المنعزلة يظل في حالة ما قبل الذات، فإن التضحية بذاته من أجل ما تطلبه الجماعة تغدو أمراً سهلاً، بل قد تغدو عنده أعلى صور المعنى. فالجماعة العنصرية، والجماعة الطائفية، والجماعة الدينية المغلقة، والجماعة الأيديولوجية، والجماعة الحزبية السرية، كلها جماعات لا تقوم إلا حين تضعف لدى أفرادها قيمة الوجود الفردي المستقل لمصلحة الوجود الكلي للجماعة.
ومن لا يعي قيمة وجوده الفردي لا يستطيع، في الغالب، أن يعي قيمة الآخر بوصفه فرداً. فالآخر عنده لا يظهر شخصاً حراً مستقلاً، بل يظهر منتمياً إلى جماعة أخرى، أو خارجاً عن جماعته، أو خصماً لها. وهنا يُختزل الإنسان في انتمائه، وتختفي الذات خلف الهوية الجماعية.
وعلى وعي كهذا يتأسس عنف الجماعة المنعزلة، العنف الذي تراه طريقاً إلى البقاء والخلاص. فالجماعة المنعزلة، حين تعي عزلتها بوصفها فضيلة وتحوّلها إلى عقيدة، تصل إلى القناعة بأن كل عنف يمكن أن يصبح مباحاً ما دام في خدمة بقائها. وهكذا تنتقل الجماعة من الدفاع عن وجودها إلى تقديس وجودها، ومن تقديس وجودها إلى تسويغ ما تفعله من أجل هذا الوجود.
والجماعات المنعزلة، بهذا المعنى، نقيض المجتمع المفتوح، بلغة كارل بوبر. فالوعي المغلق لا يستطيع أن يتصور إلا عالماً على صورته: حقيقة واحدة، وانتماءً واحداً، وصوتاً واحداً، وسردية واحدة. ولهذا فإن النزوع الفاشي، اتسعت دائرته أم ضاقت، يكمن في كل جماعة مغلقة تجعل من ذاتها حقيقة مكتفية بذاتها، وترى في المختلف تهديداً لها.
وتخلق الجماعة المنعزلة طقوساً متنوعة لتأكيد عصبيتها وتحويل أفرادها إلى كتلة متجانسة، كما تخلق مناسبات متتالية تستعرض فيها قوتها وتؤكد انتماء أفرادها العميق إلى هذه العصبية. وفي هذه المناسبات تعيد إنتاج سرديتها العامة المحشوة بالمصطلحات والعبارات المتكررة، حتى تغدو اللغة نفسها جزءاً من الطقس، وتغدو الكلمات إشارات تستثير الانفعال وغريزة القتال أكثر مما تستدعي العقل والتفكير.
فاللغة هنا لا تعود وسيلة للكشف عن الحقيقة، بل تصبح أداة لإعادة إنتاج الجماعة.
فالكائنات التي تكوّن الجماعة المنعزلة، بعد أن تغرق في طقوسها وسرديتها وعصبيتها، تفقد شيئاً فشيئاً قدرتها على ممارسة الإرادة الحرة. إنها تغترب في الكتلة، وتخضع للأمر، ويضمحل في عقولها الحس النقدي. وحين يموت السؤال في الفرد تبدأ الجماعة بالتفكير نيابة عنه، وحين تفكر الجماعة نيابة عنه تكف الذات عن أن تكون ذاتاً.
والجماعات المنعزلة التي نتحدث عنها ظاهرة تاريخية تعبّر، في كثير من صورها، عن التأخر التاريخي والمجتمعي، لأنها تحتفظ بالوعي الخلاصي وبفكرة المخلّص. إنها جماعات تُضفي على آمالها وأحلامها، المتناقضة أحياناً مع الواقع الذي تعيشه، هالة من الوهم المقدس، فتحوّل المأمول إلى يقين، واليقين إلى عقيدة، والعقيدة إلى أمر.
وإذا كان هذا شأن الجماعة المنعزلة، فإن شأن الجماعة المنفتحة على النقيض منه. فالجماعات المنفتحة هي ثمرة المجتمع المنفتح، ولا تقوم على عصبية مغلقة أو أيديولوجيا متعصبة، بل على اجتماع أشخاص أحرار حول غاية مشتركة، دون أن يذوب الشخص في الجماعة.
فالجماعة المنفتحة لا تلغي الشخص-الذات، بل تفترض وجوده. إنها تضم كائنات انتقلت من حالة الفرد التابع إلى حالة الشخص-الذات، الواعي بموقعه الكريم والحر في الحياة. ولهذا لا تكون قوة الجماعة المنفتحة في تشابه أعضائها، بل في قدرتهم على الاجتماع مع احتفاظ كل منهم بفرديته وحريته وحقه في الاختلاف.
وإذا كان ما يميز الجماعات المنعزلة هو الإكراه بصوره المختلفة، فإن ما يميز الجماعات المنفتحة هو ممارسة الحرية والالتزام الحر بالقيم السامية. فالحرية لا تعني أن يعيش الإنسان بلا جماعة، بل أن ينتمي دون أن يفقد ذاته، وأن يشارك دون أن يذوب، وأن يلتزم دون أن يتحول إلى أداة، وأن يقول «نحن» دون أن تموت فيه «أنا».
ولعمري، إن الصراع اليوم في عالمنا العربي هو، في أحد أعمق وجوهه، صراع بين منطق الجماعات المنعزلة المغلقة ومنطق الجماعات المنفتحة الحرة، بين الكتلة والشخص، بين العصبية والحرية، بين الطاعة والنقد، بين هوية تخاف الاختلاف وذات ترى في الاختلاف شرطاً من شروط الحياة.
