الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

روبن هود وأدهم الشرقاوي

6 سبتمبر 2026 01:00 صباحًا | آخر تحديث: 6 سبتمبر 01:00 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
لا يعرف الإنجليز على وجه اليقين، إن كان روبن هود شخصاً حقيقياً أم مجرد أسطورة شكلها خيال العامة في العصور الوسطى، لكنهم يدركون أن الرجل نقش اسمه في ذاكرتهم، رمزاً للعدالة، وبطلاً شعبياً ينتصر للفقراء ويقف في وجه الظلم، فأهملوا تماماً الجانب المعتم من حياته كقاطع طريق.
وفي مصر، حدث شيء قريب من ذلك مع أدهم الشرقاوي.
كان الشرقاوي شخصاً حقيقياً عاش في بدايات القرن العشرين، وخاض صراعات مع السلطة والاستعمار وأجهزة الأمن، لكن صورة الرجل في الوجدان الشعبي تجاوزت كثيراً حدود الوقائع والحقائق المسجلة عنه في أضابير الشرطة، باعتباره خارجاً على القانون، وتحولت إلى بطل أسطوري، تتناقل الأجيال أخباره، ويغنى شعراء الربابة مواويله، كما لو كانت حكايات شعبية أكثر منها أحداثاً موثقة.
التشابه بين الرجلين لا يكمن في تفاصيل حياتهما، بل في الطريقة التي نظر بها الناس إليهما.
فالسلطة رأت في كليهما خارجاً على القانون، بينما رأى فيهما عامة الناس شيئاً مختلفاً تماماً. رأت السلطة مجرماً، ورأى الفقراء منتقماً، رأت الدولة متمرداً، ورأى البسطاء بطلاً استعاد لهم بعضاً من الكرامة المفقودة. هنا تكمن المفارقة العجيبة.
فالشعوب لا تصنع أبطالها من أكثر الناس التزاماً بالقانون، بل أحياناً من أكثرهم تحدياً له، ليس لأنها تستملح الفوضى، بل لأنها تفرق بين القانون والعدل، فإذا شعرت بأن القانون مطية لمصلحة الأقوياء، تبحث عن بطل بديل، حتى لو أتت به من هامش المجتمع، أو من خارج النظام كله. لهذا عاش روبن هود في الغابات، وعاش أدهم الشرقاوي في المطاردات، وكلاهما صنع أسطورته من المسافة التي وضعها بين نفسه وبين السلطة القائمة.
والأهم من ذلك أن الجماهير أعادت كتابة سيرتهما، أضافت وحذفت وغيّرت وزيّنت، نسجت الوقائع روايات، ثم رفعت الروايات إلى أساطير، ومع الزمن أصبح من الصعب الفصل بين الإنسان الحقيقي والصورة التي صنعها الخيال الشعبي.
لم يمت روبن هود ولا أدهم الشرقاوي، لأنهما جسدا حلماً إنسانياً قديماً يتكرر في كل مكان، حلم المظلوم الذي يجد من يقف إلى جواره حين تعجز المؤسسات عن حمايته، ومن هنا يمكن أن نفهم كيف لمجتمعين مختلفين أن ينتجا الأسطورة نفسها تقريباً عن بطلين شعبيين، فالمكان تغير، والزمن تغير، والثقافة تغيرت، لكن حاجة الناس إلى بطل يتحدى القوة باسم العدالة بقيت واحدة.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة