الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

الحسابات السياسية الأمريكية في الذكاء الفائق

6 أكتوبر 2026 00:19 صباحًا | آخر تحديث: 6 أكتوبر 00:21 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
لم يعد الذكاء الاصطناعي في الحسابات السياسية الأمريكية مجرد ملف تكنولوجي يرتبط بالابتكار وشركات وادي السيليكون، بل تحول تدريجياً إلى أحد محددات القوة الأمريكية ومكانتها في النظام الدولي. ولعل إعلان الرئيس دونالد ترامب تشكيل «قوة الذكاء الفائق»، برئاسة مدير الاستخبارات الوطنية جاي كلايتون، عبّر عن انتقال واضح في مقاربة واشنطن الجادة في هذا الملف؛ إذ لم يعد النقاش يتعلق فقط بمن يستطيع تطوير النماذج الأكثر تقدماً، وإنما بمن سيمتلك التكنولوجيا القادرة على مضاعفة القوة الاقتصادية والعسكرية والاستخباراتية، ومن سيضع قواعد استخدامها وحمايتها. ومن هنا يبرز السؤال المهم حول ماهية الحسابات السياسية الأمريكية في الذكاء الفائق، وارتداداتها المتوقعة على التفاعلات الدولية مستقبلاً؟
يحمل تخلي ترامب عن مصطلح «الذكاء الاصطناعي» واستخدامه لمصطلح «الذكاء الفائق» دلالة سياسية تتجاوز مسألة التسمية، فالمفهوم الجديد يعكس تصوراً لمرحلة قد تتجاوز فيها الأنظمة قدرات الإنسان في مجالات متعددة، بما يسمح لها بتسريع البحث العلمي، وتطوير البرمجيات، وتحليل المعلومات، وتحسين الأنظمة العسكرية والاقتصادية. ومن ثم، فإن الذكاء الفائق لا يُنظر إليه باعتباره تقنية جديدة فحسب، بل باعتباره قدرة يمكن أن تنتج قدرات أخرى بصورة متسارعة، وهو ما يجعله في الحسابات الأمريكية أصلاً استراتيجياً وليس مجرد سلعة تكنولوجية.
ومن هنا فإن الواقع الذي تعيشه الساحة الدولية وضع واشنطن أمام معضلة تتمحور حول كيفية محافظتها على سرعة الابتكار من دون أن تفقد السيطرة على تكنولوجيا قد تصبح ذات أهمية للأمن القومي؟ فالتطوير الفعلي للذكاء الاصطناعي يقع بدرجة كبيرة داخل شركات خاصة، ما يجعل الحدود التقليدية بين القوة الحكومية والقوة الخاصة أكثر ضبابية. وكلما ارتفعت قدرات هذه الشركات أصبح السؤال أكثر إلحاحاً حول ما إذا كان من الممكن ترك قدرة استراتيجية بهذا الحجم بالكامل لمنطق السوق، خصوصاً أن حجم الاستثمارات الأمريكية في هذا الذكاء بلغ نحو 581 مليار دولار خلال 2026 من إجمالي عالمي تجاوز التريليون دولار؛ والذي تحتل واشنطن فيه المرتبة الأولى عالمياً حسب مؤشر Global AI Index 2026.
ومع المخاوف التي برزت من سرعة تطوير الذكاء الاصطناعي، وتأييد قادة كبرى الشركات (كأنثروبيك، وأوبن أيه آي، وغوغل ديب مايند، وغيرها) حول ضرورة إبطاء تطوير هذا الذكاء، برز موقف ترامب المضاد، وإصراره على أهمية ريادة بلاده في هذا المجال، مع رفضه لأي رقابة أممية كما جاء في كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، ومن ثم تعيينه لكلايتون لاحتواء تخوف المجتمع الأمريكي من جهة، وربط المؤسسات الأمنية لتنظيم هذا المجال من جهة أخرى؛ كونه سيحدد معالم القوة والنفوذ والسيطرة مستقبلاً. ناهيك عن الحسابات الأمريكية المتعلقة بردع الانتهاكات الاستخباراتية المستقبلية مع الثورة التي يعيشها هذا الذكاء في مختلف المجالات.
أما على صعيد المنافسة مع الصين، فبالنسبة لواشنطن؛ لا يتمثل الخطر في امتلاك بكين ذكاءً اصطناعياً أكثر تقدماً، بل في احتمال أن تستخدمه لتسريع تطوير التكنولوجيا ذاتها، بما يخلق فجوة تراكمية يصعب على الولايات المتحدة تعويضها.
لذلك أصبح السباق على الذكاء الاصطناعي جزءاً من التنافس الأوسع على شكل النظام الدولي. هذا السباق من شأن ارتداداته على التفاعلات الدولية أن يشمل تغيير مفهوم القوة العسكرية؛ فالدولة التي تستطيع تحليل المعلومات وتطوير التقنيات واتخاذ القرارات بسرعة أكبر قد تمتلك ميزة تتجاوز التفوق العددي التقليدي، وهو الأمر الذي قد يغير قواعد اللعبة في مستقبل العديد من الملفات في الساحة الدولية.
وفي نفس الوقت، لا يمكننا إنكار حقيقة أن تسريع دورة القرار من خلال الذكاء الاصطناعي يحمل مخاطر جديدة، خصوصاً في الأزمات بين القوى النووية، حيث قد تتقلص المساحة المتاحة للدبلوماسية والتقدير البشري ويرتفع خطر سوء التقدير والتصعيد.
إن تحركات السياسة الأمريكية تجاه الذكاء الاصطناعي (أو الفائق) تأتي وفق معادلة دقيقة؛ تتمحور في رغبة واشنطن أن تكون الأولى، لكنها لا تريد بنفس الوقت أن تفقد السيطرة على ما ستنتجه هذه الأولوية. ولذلك تسعى إلى الحفاظ على التفوق على الصين، وحماية ريادة شركاتها، وإدخال التكنولوجيا تدريجياً ضمن منظومتها الأمنية. والسؤال الحاسم لن يكون فقط من سيصنع النظام الأكثر ذكاءً، بل من سيمتلك القدرة السياسية والمؤسساتية على تحويل هذا الذكاء إلى قوة، ومن سيتمكن في الوقت نفسه من السيطرة على القوة التي صنعها.
[email protected]
* باحث في شؤون أمريكا والشرق الأوسط بمركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة