في أكثر من ليلة على رزنامة صراعات هذا العالم، كانت أمٌّ في الجنوب تسهر لأجل ابنها، وأم في الشمال تشاطرها السهر دون أن تعرفها. القلق نفسه، والليل نفسه، والدعاء ذاته، ربما بلغتين مختلفتين. لم تكن أي منهما تفكر في الجغرافيا والخرائط، بل في عودة ابنها سالماً. ثم جاء الصباح، لا ليغير ما كنا عليه، بل ليكشفه.
ليس غريباً أن تراوغ السياسة، فتلك لغتها منذ الأزل، ولم تعد التفافاتها تُدهش أحداً. نعرف أن الخطابات قد تُكتب للكاميرات، وأن السلام قد يصير كلمات تُقال أكثر مما تُفعل، لكن ما يُدهش حقاً أن هذه المراوغة لم تبقَ في غرف القرار، بل تسللت إلى الناس، فإذا بهم يبررون وينتقمون ويقسمون الحزن، كأن للإنسانية جنسيات، وللدم درجات.
رأيت على الشاشات، ومن طرفي كل صراع، من ينكر حق الآخر في أن يوجد، ومن يجعل ألماً مفهوماً وألماً آخر قابلاً للتبرير، وحقداً دفيناً مبرراً، وآخر لا يمكن استيعابه. هنا لم يعد الخلاف خلافاً في الروايات، بل صار امتحاناً للإنسان نفسه؛ فالحرب تأخذ الأرواح، أما الإنكار فيسلب الإنسان حقه في الروح. والحرب قد تنتهي بهدنة، أما الإنكار فيورث الأجيال حقداً لا ينتهي.
لذلك، لا أريد أن أجادل في السياسة، بل أن أسأل عنا نحن: متى صار اختلافنا في الرواية يبرر اختلافنا في الرحمة؟ ومتى صار الإنسان أقل استحقاقاً للتعاطف لأنه من الجهة الأخرى، شمالاً كان أم جنوباً؟
لا تجعلوا الإنسانية قابلة للتجزئة، وإن فعلتم، فلا تجعلوا ذلك مبرراً. ولنتصالح مع حقيقة أننا ربما لم نكن إنسانيين في كثير من المواقف بما يكفي، فالاعتراف أول الطريق. والتسامح ليس أن ننسى، ولا أن نتفق، بل أن نعترف بأن للآخر أماً تسهر، وأن ألمها حقيقي حتى حين نختلف معها في كل شيء.
ولعل أجمل ما في السلام لونه الأبيض؛ فالأبيض ليس غياب الألوان، بل اجتماعها كلها. وإذا أقصيتَ لوناً واحداً من الطيف، فلن تبلغ البياض الكامل. لا يُطلب من لون أن يصير غيره، بل أن يقبل أن غيره موجود. كذلك السلام، على أي أرض وفي أي صراع، لا يكتمل ما دام لون يريد أن يمحو سواه.
في أي ليلة من ليالي الصراع، لم تكن الأمّان بحاجة إلى أن تتسامحا، فقد كانتا إنسانتين قبل كل شيء، تبحث كل منهما عن عودة ابنها. نحن فقط من أعمتنا الروايات وسلبت إنسانيتنا. نحن فقط جوقة العميان.
