الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

تكتل أوروبي عابر للقارات

9 أكتوبر 2026 00:30 صباحًا | آخر تحديث: 9 أكتوبر 00:31 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
هناك إجماع شبه تام في أوروبا على أن دول القارة تعيش واحدة من أعقد مراحلها التاريخية بعد الحرب العالمية الثانية، بدأت تدفع بالكثير من نخبها الفكرية والسياسية إلى نقطة مفصلية تستدعي من الجرأة والتوثب أكثر من الفحص والتأمل، في ظل تحديات وجودية ضاغطة وتهديدات مستجدة سواء بسبب الصراعات الناشبة أو تغير المزاج الدولي باتجاه عالم مختلف عما سبق.
من علامات القلق على المستقبل تبلور أفكار تدعو إلى إعادة النظر في هياكل الاتحاد الأوروبي وتحالفاته وأهدافه، وهو توجُّه بدأ يفرض حتمية مراجعة العلاقة العابرة للأطلسي مع الولايات المتحدة، بقطع النظر عن الحزب الحاكم في واشنطن، أكان جمهورياً أو ديمقراطياً، وذلك لعوامل عدة، أهمها أن الحسابات الاستراتيجية الأمريكية بدأت تتحول هيكلياً بعيداً عن القارة الأوروبية، وتُعيد صياغة أولوياتها وتتجه نحو التركيز على قارة آسيا لمواجهة الصين، كما أن الداخل الأمريكي لم يعد متماسكاً كالسابق، مع نشوء تحديات داخلية متزايدة تتعلق بالتضخم وارتفاع الدين العام والاستنزاف الدفاعي الخارجي والاستقطاب السياسي. وكل هذه العوامل تشكل أزمة أمريكية ممتدة ألقت بتأثيراتها السلبية على أوروبا أفرزت خلافات عميقة تجلت في الحروب التجارية وشروط الأمن المتبادل، والتباين في إدارة علاقات كل منهما مع القوى الدولية الأخرى مثل روسيا والصين.
انقسام الحلف الغربي، لم يعد سيناريو افتراضياً بل واقعٌ تعبر عنه الإجراءات الأمريكية بإعادة الانتشار العسكري وضبط الإنفاق الدفاعي، وترسخه الدعوات الأوروبية إلى الاستقلال الأمني والتركيز على تعزيز القدرات العسكرية والتصنيعية ومضاعفة الموازانات، والهدف المعلن أن يكون للاتحاد الأوروبي مشروع مستقل كتكتل جيوسياسي لا يخضع لهيمنة أولويات واشنطن، وقادر على التأثير في النظام الدولي ويلعب دوراً يليق بتاريخ أوروبا ومكانتها في الحضارة الحديثة التي كانت هي مهدها وصانعة ركائزها السياسية والاقتصادية والفكرية. ومن هذا المنطلق، أصبح مستقبل القارة كتكل ودول هاجس كل النخب، في اليمين والوسط واليمين المتطرف واليسار الراديكالي، كلها تتفق في الهدف وتختلف في وسائل التنفيذ، والجامع المشترك بينها إرادة القوة ورفض التهميش.
الظروف الراهنة وتحدياتها، فرضت على أنصار فكرة الاتحاد الأوروبي، إعادة بنائه وتوسيعه حتى خارج حدوده الطبيعية. وبينما تتوالى المؤشرات إلى احتمال عودة بريطانيا بعد «بريكست» أو على الأقل إعادة صياغة ارتباطها الاستراتيجي ببروكسل، فإن الاتحاد الأوروبي يجد نفسه اليوم مدفوعاً بنزعة حتمية للتوسع الإيجابي بما يضيف إليه فائضاً من القوة لحماية أمنه القومي وتأمين مجاله الحيوي في ظل التحديات الدولية الراهنة. ومن هنا أصبحت فكرة ضم قوى تنتسب إلى الاتحاد، مثل كندا وأستراليا ونيوزيلندا، معلنة ويجري تداولها في مراكز الأبحاث الاستراتيجية، ربما لتحويل التكتل من مشروع إقليمي إلى كيان عابر للقارات يشكل عملاقاً تجارياً وأمنياً وسياسياً يستطيع أن يقف في وجه القوى العظمى الأخرى.
امتداد الاتحاد الأوروبي إلى ما وراء المحيطات، قد يكون مجرد فكرة وليدة، ولكنه في ذات الوقت يعبّر عن حقيقة أن أوروبا، لم تعد تقبل أن تكون موضع سخرية وخطاب متعالٍ يأتيها من الضفة الغربية للأطلسي كونها «قارة عجوز» وضعيفة، بل أصبح من حقها أن تكون نواة لمركز قوة عالمي جديد متحرر من الهيمنة الأمريكية، وإن كان الثمن انقسام الغرب وانتهاء عصر القطبية الأحادية العابرة للأطلسي التي هيمنت على العالم قرابة قرن من الزمان.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة