ليست اللغة هنا حروفاً تُنطق بها الجغرافيا، بل ذاكرة مكان وهوية وسيادة. فطنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى لم تغادر الوعي الإماراتي، مهما طال الزمن أو تبدلت موازين السياسة. وعبارة «تنطق بالعربية» لا تقدم بحد ذاتها حجة قانونية، لكنها تختصر دلالة أعمق: أن المكان يظل حاضراً في ذاكرة أهله، وأن مرور الزمن لا يحوّل قضية السيادة تلقائياً إلى صفحة من الماضي.
أعاد السجال الأخير بشأن الجزر الإماراتية الثلاث القضية إلى واجهة النقاش السياسي. غير أن أهميته لا تقتصر على التصريحات المتبادلة، فهو يطرح سؤالاً يتجاوز لحظته: هل يكفي استمرار الأمر الواقع كي تتراجع قضية سيادة عن الوعي السياسي، أم أن الزمن قد يوسّع حضورها ويطوّر أدوات المطالبة بها؟
جاء موقف الدكتور أنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي لصاحب السموّ رئيس الدولة، ليؤكد ثبات المقاربة الإماراتية: التمسك بالحقوق، مع تفضيل الحلول السلمية والقانونية، بما فيها المفاوضات المباشرة أو اللجوء إلى محكمة العدل الدولية. وتكمن أهمية هذا الطرح في أنه يربط وضوح الموقف باستعدادٍ لمسار تسوية معلوم، ويجعل الحوار وسيلة لمعالجة الخلاف لا غطاءً للتنازل عنه. والتمييز بين الحق وأدوات المطالبة به أساسي لفهم الموقف الإماراتي.
فمرونة السياسة لا تعني التراجع عن السيادة، كما أن استمرار العلاقات مع إيران لا يلغي الخلاف بشأن الجزر.
تستطيع الإمارات أن تتعامل مع إيران بوصفها جاراً ذا ثقل تاريخي وجغرافي، وأن تسعى إلى علاقات مستقرة ومصالح متبادلة، مع تمسكها بحقوقها. فالثبات على المبدأ والمرونة في الوسيلة ليسا نقيضين، بل قد يجتمعان في مقاربة سياسية ناضجة.
لكن الزمن لا يعمل وحده، ولا يحسم الخلاف لمصلحة طرف لمجرد أن الوقائع بقيت على حالها. فالزمن يراكم أيضاً الذاكرة السياسية، ويغير قدرات الدول، ويوسع شبكات علاقاتها، ويمنحها أدوات دبلوماسية وقانونية أكثر تنوعاً.
والإمارات التي تطرح القضية اليوم، هي دولة تطورت قدراتها ومكانتها الدولية منذ قيام الاتحاد، ومن ثم فإن تجاهل هذا التحول لا يساعد على قراءة مستقبل القضية، ولا على تقدير كلفة استمرارها.
وهنا ينبغي أن يُطرح السؤال على العقل الاستراتيجي الإيراني: هل يخدم بقاء الخلاف المصالح الأوسع لإيران، أم أن تسويته تتيح بناء قدر أكبر من الثقة مع جارها الخليجي؟ فالدول لا تقيس قوتها بما تحتفظ به من أوراق فحسب، بل كذلك بقدرتها على تحويل الجوار إلى مجال للمصالح والاستقرار.
واستمرار الخلاف لا يصنع الثقة، كما أن تسويته لا تنتقص من مكانة إيران أو ثقلها الإقليمي، بل قد تفتح مجالاً لمعالجة أحد الملفات العالقة في العلاقة بين البلدين.
ولا يعني ذلك أن التسوية سهلة، أو أن المصالح وحدها تكفي لتجاوز الخلافات. لكنها تظل خياراً سياسياً يستحق النظر، خصوصاً حين تكون البدائل هي استمرار التباعد وتوارث الشكوك. فالحوار المباشر أو المسار القضائي، إذا اتُّفق على سلوك أحدهما، يقدمان طريقاً سلمياً لمعالجة القضية، ويمنحان الطرفين فرصة للانتقال من إدارة الخلاف إلى محاولة حله.
ينبغي، في المقابل، ألا يُساء فهم المقاربة الإماراتية: فالجزر ليست ورقة لمقايضة المصالح الاقتصادية أو السياسية، ولا يتراجع حضورها في الوعي الوطني مع تطور العلاقات. الذي يمكن أن يتطور هو أدوات المطالبة، أما أصل القضية فيبقى ثابتاً في الموقف الإماراتي والخليجي.
وهذه هي دلالة الزمن في هذا الملف: فهو لا يضمن تثبيت الأمر الواقع، ولا يمحو القضية تلقائياً، بل قد يوسع الفجوة بين استمرار الخلاف وتنامي أدوات المطالبة بتسويته. لذلك، لا تكمن الواقعية في انتظار النسيان، بل في التعامل مع القضية، باعتبارها خلافاً قائماً له مسارات سلمية معلنة.
خلاصة القول إلى العقل الاستراتيجي الإيراني: لا تراهنوا على أن الزمن سيطوي القضية. فالزمن يغيّر أدوات المطالبة، لكنه لا يمحو جوهرها، والتسوية العادلة قد تحول ملفاً موروثاً من انعدام الثقة إلى مدخل لعلاقة أكثر استقراراً بين الجارين.
