الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

هل هناك وجه ديني خفي للحرب؟

9 أكتوبر 2026 00:32 صباحًا | آخر تحديث: 9 أكتوبر 00:33 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
ربما لم يعُد خفياً تماماً.. ففي 19سبتمبر(أيلول) 2026، وقف وزير الحرب الأمريكي هيغسيث أمام طلاب وضباط في جامعة تكساس، معلناً انطلاق جولة عسكرية حملت اسماً ذا دلالة دينية واضحة: «أرسلني-Send Me»، واستدعى مباشرة سفر إشعياء، الإصحاح السادس الآية الثامنة: حين يسأل الرب: «من أرسل؟» فيجيبه إشعياء: «هأنذا، أرسلني». لكن هيغسيث لم يترك الاستشهاد في إطاره الروحي. انتقل مباشرة إلى التاريخ العسكري الأمريكي، وقال رجالاً ونساء رفعوا أيديهم على مدى تاريخ أمريكا قائلين: «أرسلني»، لقتال البريطانيين، و«أرسلني» لقتال الشيوعيين، ثم استخدم عبارة «أرسلني لقتال المسلمين»، قبل أن يربط ذلك بالجنود الذين سيواجهون تهديدات المستقبل.
والأكثر دلالة أن هذا لم يكن استشهاداً عابراً، فقد أصبح عنواناً لجولة عسكرية كاملة. فيما أعلن هيغسيث لاحقاً إنشاء مكتب للشؤون الدينية داخل المؤسسة العسكرية، وتحدث عن «القوة الروحية». اللافت أنه استمر على الرغم من اعتراضات بعض القراءات المسيحية على توظيف نص ديني في دعوة للحرب.
على الجانب الإسرائيلي، تتردّد إشارات توراتية ودينية في خطاب بعض السياسيين والتيارات، الدينية والقومية. وكان رئيس وزراء إسرائيل قد أعلن سابقاً في مقابلة تلفزيونية، في 12 أغسطس (آب)2025، أنه في حرب مهمته فيها «روحية تاريخية». وعندما سئل عن ارتباطه برؤية «أرض الميعاد/ إسرائيل الكبرى»، أجاب بأنه مرتبط بها جداً. هذا يجعل الربط بالنبوءة سؤالاً مشروعاً.
وفي سبتمبر (أيلول)2026 وصف إسقاط النظام الإيراني بأنه «المهمة المركزية» المتبقية لإسرائيل. هذا يجعل المقارنة بين «المهمة» السياسية والعسكرية ولغة «المهمة التاريخية والروحية» السابقة، جديرة بالتحليل.
أما الحرس الثوري فقد صرّح في 29 سبتمبر (أيلول)2026 في رسالة مفتوحة إلى الشعب الأمريكي بدافع ديني، لا يكتفي بالإشارة إلى الإمام المهدي فقط، بل يربطه بعودة المسيح وب«النصر النهائي»، وهذا خطاب لا يخرج من مسجد، أو حوزة دينية، بل من قوة عسكرية.
هنا تصبح الصورة أكثر تعقيداً، في واشنطن نداء «أرسلني» في خطاب عسكري، وفي إيران خطاب ديني يربط الحرب ب«النصر النهائي»، وفي إسرائيل تحضر النصوص التوراتية في خطابات القادة السياسيين، وأصحاب القرار. هنا يتغير السؤال، لم يعُد من يريد الانتصار عسكرياً؟ ومن يريد تغيير خريطة المنطقة؟ ومن يريد فرض شروطه على الآخر؟ بل: كيف يفهم بعض الأطراف الانتصار في هذه الحرب؟ فالانتصار السياسي يمكن التفاوض حوله، والانتصار العسكري تُحدّده موازين القوة. أما عندما يمتزج مفهوم الانتصار بفكرة «الخلاص الديني»، أو «النبوءة»، أو «المهمة»، فإن الصراع قد يكتسب في خطاب أصحابه معنى يتجاوز الأرض، والحدود، والصفقات. وهذا تحديداً ما يجعل سؤال: هل هناك وجه ديني خفي للحرب؟ أكثر إلحاحاً أمام التصاريح المعلنة.
كل هذه النبوءات ليست جديدة. الجديد أنها تصدر عن أصحاب السلاح، وهذا ما يجعلها مختلفة هذه المرة. العالم اعتاد على سماع الحديث عن النبوءات ونهاية الأزمنة، ولكن من رجال دين، ووعاظ، ومؤسسات عقائدية. الجديد والمُقلِق أنها تصدر اليوم عن جهات عسكرية، وعن مسؤولين يملكون سلطة فعلية على الجيوش والسلاح، وقرار الحرب.
نحن اليوم أمام حرب، سياسية وعسكرية، حقيقية، لكن المقلق ظهور خطابات ذات لغة دينية، وأخروية، وإن اختلفت النبوءات لكنها تجتمع على أن مكان ظهورها.. القدس وفلسطين.
السؤال لا يعني أن الحرب دينية في جوهرها، لا اليهودية ولا المسيحية ولا الإسلام يدفعون إليها، لكنه يصبح سؤلاً مشروعاً حين تدخل النبوءات والنصوص المقدسة، ومفردات مثل «المهمة» و«الارسال»، و«النصر النهائي»، إلى الخطابات السياسية والعسكرية، وحين تقرأ أحداث الحاضر أحياناً بعيون نبوءات دينية كتبت قبل آلاف السنين.
فهل نحن أمام توظيف سياسي للدين لتعبئة الجمهور وتبرير الحرب؟ أم أن بعض أصحاب القرار، ومؤيديهم، يؤمنون بالفعل بأن ما يجري يتجاوز السياسة والجغرافيا إلى مهمة ذات معنى ديني؟
والسؤال الأخطر: ماذا يحدث للعالم عندما يبدأ البشر بقراءة الحرب كأنها نبوءة.. ثم يتصرفون على هذا الأساس؟ فالمواطن الذي يستطيع أن يناقش حرباً باعتبارها قراراً سياسياً يمكن تغيّره، أو صراعاً على مصالح يمكن التفاوض حولها، قد يشعر بشيء مختلف عندما يسمع قائداً عسكرياً يستحضر نصاً مقدساً، أو نبوءة أخروية. فيجد نفسه أمام حرب بلا أفق واضح، حرب لا ينبغي إيقافها قبل أن تبلغ نهايتها الروحية «المُتخَيلة».
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة