ربما يكون السؤال الخطأ هو: متى تبدأ الحرب العالمية الثالثة؟ فالحروب العالمية لا تبدأ عادة في صباح يوم واحد، ولا يستيقظ العالم على بيان يقول: «لقد بدأت الحرب العالمية». تبدأ القصة بأزمات مُتفرقة، وحروب تبدو محلية، وتحالفات تتحرك، وحدود تشتعل، وممرات بحرية تضيق. ثم يحدث ما لم يكن أحد يريده، تتصل النيران ببعضها.
وهذا تحديداً ما يجعل المشهد الدولي في خريف 2026 مثيراً للقلق. من أوروبا إلى الشرق الأوسط، ومن مضيق هرمز إلى باب المندب، وصولاً إلى مضيق تايوان، تنتشر جبهات لا تبدو حرباً واحدة. لكل حرب أسبابها وخصومها وحساباتها. لكن الخطر الحقيقي ليس في حرب منفردة، بل في احتمال أن تتشابك هذه الحروب في لحظة ما، فتجرّ القوى الكبرى إلى مواجهة أوسع لم يُخطِط لها أحد.
المفارقة الكبرى تأتي من أوروبا، ففي 18 سبتمبر/ أيلول 2026 خرج الرئيس بوتين ليقول إن روسيا ليس لديها نيات عدوانية تجاه أوروبا، وإن موسكو مستعدة لاستعادة العلاقات والتعاون مع الأوروبيين. واتهم بعض الأوروبيين باستخدام «التهديد الروسي» لتبرير زيادة الإنفاق العسكري. لكن الضفة الأخرى لم تقتنع: ماذا لو كانت هذه مجرد تصاريح؟ حلف الناتو يتحدث عن تعزيز غير مسبوق لجبهته الشرقية وعن خطط دفاعية، فيما تتوسع الاستعدادات لتشمل الدفاع الجوي والصاروخي، والطائرات المُسيّرة، والأمن السيبراني والفضاء وحماية كابلات الاتصالات وشبكات الطاقة. وفي سبتمبر/ أيلول أصدر الحلف متطلبات مُحَدثة للاستعداد المدني، بحيث تستطيع الدول الحفاظ على الماء والطاقة والغذاء والصحة والاتصالات حتى في ظروف الهجمات والحروب.
إنها ليست مجرد دبابات أكثر ومدافع أكثر. إنها تهيئة مجتمع كامل لاحتمال الحرب. وما يزيد القلق أن المواجهة التي تخشاها أوروبا قد لا تبدأ أصلاً بعبور جيش روسي حدود دولة عضو في الناتو. إنها تخشى ما يسمى «الحرب الهجينة» أي طائرات مُسيّرة، وهجمات إلكترونية، وتعطيل شبكات الكهرباء، وتشويش على الملاحة، وحرائق، وضرب كابلات الإنترنت والاتصالات في قاع البحر. وفي هذا اقترحت أورسولا فون دير لاين آلية أوروبية مشتركة للتعامل مع الحوادث التي قد تقع. في المقابل تنفي روسيا هذه الاتهامات. وهنا تكمن الخطورة: طرف يقول لا يريد الحرب، وطرف آخر لا يثق بأنه لا يريدها.
أما في الشرق الأوسط، فالحرب لم تعد محصورة في جبهة واحدة. لم تعد المسألة حرباً داخل حدود جغرافية ضيقة. الحرب الإيرانية والصراع الأمريكي- الإيراني، والعمليات المرتبطة بإسرائيل ونوياها التوسعية، واليمن والحوثيين والسعودية، والطاقة والملاحة الدولية، كلها أصبحت حلقات تؤثر الواحدة منها في الأخرى. والأخطر أن هذه المنطقة تمسك بمفاتيح لا تخص الشرق الأوسط وحده، إنها تمسك بممرات الاقتصاد العالمي.
وهنا نصل إلى أخطر عناصر المشهد، حرب المضائق: من هرمز الذي يعتبر عنق زجاجة العالم، فهو ليس مجرد مضيق مائي، بل ممر لخمس النفط والغاز الطبيعي المسال عالمياً. وهنا أيضاً تتحول الحرب من مواجهة عسكرية إلى أزمة عالمية. أما مضيق باب المندب الذي بدأ يشتعل فيعتبر بوابة الخليج إلى العالم، وبوابة البحر الأحمر إلى قناة السويس والبحر المتوسط. والخطر اليوم أن الأزمتين لم تعودا منفصلتين تماماً. هنا يبدو الشرق الأوسط كأنه يقف بين فكي كماشة بحرية: هرمز شرقاً وباب المندب غرباً. وأي تصعيد متزامن فيهما لن يُبقي الحرب شرق أوسطية، سترتفع فاتورة النفط عالمياً. وهكذا تصبح الجغرافيا طرفاً في الحرب.
وماذا لو اشتعل المضيق الثالث مضيق تايوان؟ الصراع هناك مختلف حيث تعتبر الصين تايوان جزءاً من أراضيها، بينما ترفض حكومة تايبيه سيادة بكين عليها، وتواصل تعزيزاتها الدفاعية. وفي سبتمبر/ أيلول 2026 أجرت تايوان أول تدريب عسكري باستخدام عدة أنواع من المسيرات الهجومية، وصواريخ مضادة للسفن وتحديث قدراتها العسكرية.
وماذا عن ترامب وتهديداته التوسعية في كندا وغرينلاند ومضيق بنما؟وماذا لو تزامنت الأزمات؟ العالم بدأ يستعد بتعزيز قدراته العسكرية،
التاريخ يقول: كل الحروب العالمية بدأت بأزماتٍ مُنفصِلة. لم يستيقظ العالم فجأة على خبر: «بدأت الحرب اليوم»، هي تبدأ تدريجياً من حروب تبدو مُنفَصِلة لكن التحالفات المُعلنة وغير المُعلنة، تجعلها في لحظة.. حرباً واحدة.
