تقول السيرة الذاتية للمحامية والقاضية الجنوب إفريقية نافانيثيم بيلاي (85 عاماً) الفائزة بنوبل للسلام، أمس الأول، إنها أول امرأة غير بيضاء تفتتح مكتب محاماة لمزاولة المهنة في مقاطعة ناتال حيث ولدت. «لا شركة محاماة تقبل بتوظيفي، فقد قالوا إنه لا يمكن لموظف أبيض أن يأخذ توجيهات من شخص ملّون، وكذلك، لا يسمح نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا للمحامي غير الأبيض بدخول غرفة القاضي».
تلك هي البيئة العنصرية الثقافية التي وجدت بيلاي نفسها فيها في سنوات شبابها بعدما حصلت على شهادة جامعية مرموقة في القانون، حيث نشأت في حيّ فقير، وهي تنحدر من أصول تاميلية.
لكن تلك البيئة كانت أيضاً زمناً سياسياً عالمياً لرجل اسمه نيلسون مانديلا، الرجل الأسود أو الملوّن، وهو، وبالقانون والثقاقة والمبادئ الإنسانية العادلة أوصل بلاده جنوب إفريقيا إلى الحرية.
كل هذا التاريخ الحديث والقريب لم يقرأه جيداً وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، وهو يصف المحكمة الجنائية الدولية بـ «المارقة»، وذلك على خلفية فوز نافانيثيم بيلاي بجائزة نوبل للسلام، وهي رئيسة لجنة التحقيق المستقلة التابعة للمحكمة، أما الغضب الأمريكي الذي وصل الى فرض عقوبات على المحكمة مباشرة وبعد فوز القاضية الجنوب إفريقية، فهو معروف في الأوساط السياسية والقانونية في العالم كله ولا يحتاج إلى المزيد من التعليق.
استناداً إلى مهنية ونزاهة القاضية الفائزة بنوبل، سارعت الكثير من الدوائر السياسية والقانونية والإعلامية الى وصف نافانيثيم بيلاي بـ «المرأة الشجاعة والمستقلة»، وقالت وزارة الخارجية السويسرية في سياق ردّها على العقوبات الأمريكية ضد المحكمة إن «سويسرا تجدد تأكيد دعمها للمحكمة الجنائية الدولية بصفتها مؤسسة قضائية مستقلة ومحايدة».
الشجاعة أيضاً قيمة نبيلة ولا تقبل مفهوم القسمة أو النسبية أو المساومة، وفي ضوء هذه الحقيقة فإن الجهة المانحة لجائزة نوبل للسلام هي شجاعة أيضاً، ويعرف القائمون على الجائزة أن فوز نافانيثيم بيلاي سوف تستتبعه الكثير من التداعيات السياسية بشكل خاص، لكن استقلالية مؤسسة الجائزة وشخصيتها الاعتبارية الدولية لا تعترف بثقافة الخوف او الابتزاز حتى لو جرى التهديد بكل هذه القوة المعنوية من جانب دولة كبرى مثل الولايات المتحدة.
نوبل للسلام، ونوبل للكيمياء والفيزياء والعلوم ليست نوبل الأدب، وما قد تخطئ به الجائزة هنا، تسارع الى تصويبه هناك، حتى لو في جنوب إفريقيا.
ومن كان لا يُسمَح لها بدخول غرفة القاضي، ها هي اليوم تدخل، ولو رمزياً، البيت الأبيض.
