الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

المعلم في قلب النهضة الإماراتية

11 أكتوبر 2026 00:10 صباحًا | آخر تحديث: 11 أكتوبر 00:12 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
حين سُئل الإسكندر المقدوني عن سرّ تقديره الكبير لمعلّمه الفيلسوف أرسطو، نُسب إليه قوله بما معناه إن أباه كان سبب حياته، أما أرسطو فكان سبب الحياة الكريمة. في هذه العبارة الموجزة تختصر الحضارات معنى الوفاء للمعلم. لذلك لم يكن تكريم المعلم في تاريخ الأمم تقليداً اجتماعياً عابراً، بل اعترافاً بأن العقول العظيمة تبدأ غالباً من يد معلّم آمن بطلابه، ومن كلمة معرفة فتحت لهم آفاقاً جديدة.
وفي الإمارات، تتجدد هذه القيمة الرفيعة بوصفها نهجاً قيادياً راسخاً يرى في التعليم استثماراً وطنياً لا يعلوه استثمار، وفي الإنسان الثروة الأغلى والأبقى. وقد حمل اليوم العالمي للمعلمين هذا العام دلالات بالغة المعنى، حين جسّد صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، أسمى صور الوفاء بإهداء توقيع تذكاري لمعلمه، تعبيراً صادقاً عن الامتنان والشكر. ثم جاءت الرسالة الصباحية التي وجّهها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، إلى المعلمين، مستحضراً دورهم الجليل في بناء الأجيال.
ليست قيمة هذين الموقفين في رمزيتهما العاطفية فحسب، بل في المعنى الوطني العميق الذي يحملانه. فعندما يكرّم رئيس الدولة معلّمه بهذه اللفتة الوفية، فإنه يبعث برسالة عملية إلى كل طالب وأسرة ومؤسسة مفادها أن فضل المعلم لا يسقط بمرور السنين، وأن من يعرف قيمة من علّمه يعرف قيمة العلم نفسه.
وعندما يخاطب قائد بحجم محمد بن راشد المعلمين في صباح يومهم العالمي، فإنه لا يكتفي بتقديم التهنئة، بل يضع المجتمع كله أمام حقيقة كبرى هي أن المعلم شريك في نهضة الوطن، وأنه صاحب دور مؤثر في كل إنجاز علمي أو اقتصادي أو حضاري تحققه الدولة.
لقد آمنت القيادة الإماراتية، منذ البدايات الأولى للاتحاد، بأن بناء الدولة لا يبدأ من الإسمنت والطرق وحدها، بل يبدأ من المدرسة. ولذلك كان التعليم في قلب المشروع الوطني الذي أسسه المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، الذي جعل الإنسان محور التنمية وغايتها. لم يكن ذلك اختياراً مرحلياً، بل رؤية استراتيجية بعيدة المدى، تقوم على أن المواطن المتعلم الواعي هو القادر على حماية المنجز، وصناعة الاقتصاد، وتطوير المؤسسات، والانتقال بالدولة من مرحلة التأسيس إلى آفاق الريادة العالمية.
ومن يتأمل مسيرة الإمارات يدرك أن المدارس والمعاهد والجامعات لم تكن مجرد مبانٍ تعليمية، بل كانت معامل حقيقية لإنتاج الكفاءات الوطنية، ومشاتل للمواهب، ومنارات للبحث والابتكار. فمن فصول التعليم الأولى التي احتضنت أبناء الإمارات في سنوات التأسيس، إلى الجامعات الوطنية والعالمية ومراكز البحث المتقدمة التي تستقطب اليوم الطلبة والعلماء من مختلف أنحاء العالم، تمتد قصة وطن جعل العلم لغةً للتقدم، وجعل من جودة التعليم مؤشراً على جودة الحياة ومستقبل التنمية. وقد انعكس هذا الاهتمام في منظومة تعليمية تتطور باستمرار، تستجيب لمتطلبات العصر، وتوازن بين الاعتزاز بالهوية الوطنية والانفتاح على المعرفة الإنسانية. فالمدرسة الإماراتية لم تعد مكاناً لتلقي المعلومات فقط، بل أصبحت فضاء لبناء الشخصية، وتنمية مهارات التفكير، وترسيخ قيم التسامح والمسؤولية والانتماء، وإعداد أجيال قادرة على التعامل مع علوم المستقبل والذكاء الاصطناعي والاقتصاد المعرفي. وفي قلب هذه المنظومة يبقى المعلم العنصر الأهم، فهو من يحوّل المناهج إلى معرفة حية، والتقنيات إلى أدوات ذات معنى، والطموحات إلى قدرات بشرية ملموسة.
وفي مشهد التوقيع التذكاري من صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد، والرسالة الصباحية من صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، تتكامل صورة القيادة التي تقود بالفعل قبل القول. إنها قيادة تذكّر المجتمع بأن المعلم ليس موظفاً يؤدي واجباً محدداً، بل صاحب رسالة تلامس حياة كل فرد، وتترك أثراً لا يمحوه الزمن. فالمعلم قد يرى ثمرة جهده في طبيب ينقذ حياة، أو مهندس يبني مدينة، أو عالم يكتشف جديداً، أو قائد يحمل مسؤولية وطنه، أو مواطن صالح يزرع الخير في مجتمعه.
لقد حصدت الإمارات مكانتها ورفعتها وتقدمها لأنها اختارت أن تجعل الإنسان أولاً، وأن تجعل العلم طريقاً، وأن تمنح المعلم المكانة التي يستحقها. وفي وفاء القادة لمعلميهم، تتجدد أجمل معاني الوفاء للوطن نفسه، وطن يعرف أن المستقبل لا يُمنح، بل يُعلَّم ويُبنى ويُصان.

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة