الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

الدبلوماسية الإماراتية في الأمم المتحدة

4 أكتوبر 2026 00:04 صباحًا | آخر تحديث: 4 أكتوبر 00:05 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
في لحظة دولية تتشابك فيها الأزمات وتتراجع فيها قدرة المؤسسات متعددة الأطراف على إنتاج التوافقات، تبرز الدبلوماسية الإماراتية بوصفها قوة توازن فاعلة، تستند إلى وضوح الرؤية وواقعية الموقف واتساع شبكة الشراكات. فهي لا تتعامل مع التحولات العالمية بمنطق رد الفعل، بل تتحرك ضمن استراتيجية تجمع بين حماية المصالح الوطنية والمساهمة المسؤولة في بناء الأمن والاستقرار الدوليين.
وقد جسدت مشاركة دولة الإمارات في الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة التي اختتمت أعمالها قبل أيام هذا النهج بأوضح صوره. فالحضور الإماراتي في نيويورك لم يكن تمثيلاً بروتوكولياً، وإنما حراكاً سياسياً ودبلوماسياً مكثفاً، حمل ملفات المنطقة إلى قلب النقاش الدولي، وفتح في الوقت ذاته آفاقاً جديدة للتعاون الاقتصادي والتنموي والمعرفي.
وأجرى وفد الدولة 72 لقاء رفيع المستوى، تصدّرها سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان، نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية، بعقد 38 لقاء مع قادة ومسؤولين دوليين. ولا تعكس كثافة هذه الاجتماعات حجم النشاط وحده، بل تكشف أيضاً عن رصيد من الثقة راكمته الإمارات عبر سياسة خارجية تتسم بالاتزان، والقدرة على التواصل مع مختلف الأطراف، وبناء المصالح المشتركة بعيداً عن الاستقطابات الحادة.
وتنبع فاعلية الدبلوماسية الإماراتية من إدراك عميق بأن النفوذ في عالم اليوم لا يُقاس بحدة الخطاب، وإنما بالقدرة على فتح الأبواب المغلقة وصناعة مساحات للحوار وتحويل العلاقات السياسية إلى شراكات منتجة. لذلك جمعت لقاءات سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان، بين مناقشة النزاعات والتوترات الإقليمية، والبحث في التجارة والاستثمار والأمن الغذائي والتعليم والصحة والطاقة المتجددة والتكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي.
وبهذا المعنى، تقدم الإمارات مفهوماً متقدماً للعمل الدبلوماسي، تتكامل فيه السياسة مع الاقتصاد، وتتصل فيه جهود إحلال السلام بمسارات التنمية. فالاتفاقيات ومذكرات التفاهم التي شهدتها لقاءات سموه مع عدد من المسؤولين الدوليين لم تكن تفاصيل جانبية، بل ترجمة عملية لفلسفة ترى أن استدامة العلاقات بين الدول تحتاج إلى مصالح متبادلة ومؤسسات تعاون قادرة على الصمود أمام الأزمات.
كما حملت المشاركة الإماراتية رؤية متماسكة لإعادة الاعتبار إلى العمل متعدد الأطراف، من خلال دعم تسوية النزاعات واحترام القانون الدولي وترسيخ قيم التسامح والتعايش السلمي، إلى جانب المطالبة بأمم متحدة أكثر كفاءة وفاعلية واستجابة للتحولات المتسارعة. ويكتسب دعم الإمارات لمبادرة «الأمم المتحدة 80» أهميته من كونه يتجاوز الدعوة إلى إصلاح المنظمة، ليطرح توظيف التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي باعتبارهما أداتين لتطوير قدراتها وتحسين استجابتها للتحديات العالمية.
وفي ظل الانقسامات الدولية، حافظت الإمارات على استقلالية قرارها الاستراتيجي، مع إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع الشركاء على اختلاف توجهاتهم. وهذه المعادلة الدقيقة منحتها قدرة متنامية على بناء الجسور، وخفض التصعيد، والدفاع عن الحلول السياسية في مواجهة منطق الصراع المفتوح.
ولذلك لم يتحرك الوفد الإماراتي داخل إطار سياسي ضيق، بل شارك في مناقشة طيف واسع من القضايا، شمل السلام في غزة، والأزمة الإنسانية في السودان، وحماية الأطفال الفلسطينيين، ومكافحة التطرف وخطاب الكراهية، وتمويل التعليم، والأمن الصحي، والطاقة، والمناخ، وحوكمة الذكاء الاصطناعي. ويعكس هذا الحضور الشامل رؤية تعتبر أمن الإنسان وتنميته جزءاً أصيلاً من الأمن الدولي.
إن ما قدمته الإمارات في نيويورك هو نموذج لدبلوماسية هادئة في خطابها، كبيرة في أثرها، لا تبحث عن حضور عابر تحت أضواء المنابر، بل عن نتائج قابلة للبناء والاستمرار.
ومن أبرز المبادرات التي خرجت من هذا الحراك إعلان سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان، ورئيس الحكومة اللبنانية الدكتور نواف سلام إطلاق مبادرة «مليون خبير لبناني في الذكاء الاصطناعي». وجاء الإعلان خلال لقائهما في نيويورك، ضمن مبادرات برنامج الإمارات للتبادل المعرفي الحكومي وبالتعاون مع الحكومة اللبنانية.
وتستهدف المبادرة تمكين مليون لبناني من المهارات الأساسية والعملية في الذكاء الاصطناعي التوليدي وهندسة الأوامر، بما يساعدهم على صياغة التعليمات وتوجيه الأدوات الذكية للحصول على نتائج دقيقة وفاعلة. ولا يقتصر مفهوم «الخبير» هنا على المهندسين والمبرمجين، بل يشمل الطالب والموظف وصاحب المشروع وكل من يستطيع استخدام الذكاء الاصطناعي لتحسين عمله ورفع إنتاجيته وتطوير أفكاره.
وتكتسب المبادرة أهميتها من توقيتها، فلبنان يحتاج، إلى جانب المساعدات والاستجابة الإنسانية، إلى أدوات تعافٍ مستدامة تعيد بناء قدرات الإنسان والمؤسسات.
وتستند المبادرة إلى خبرة إماراتية في التدريب الجماهيري على تقنيات المستقبل، بعد إطلاق دبي مبادرة «مليون خبير لأوامر الذكاء الاصطناعي». غير أن نقل هذه الخبرة إلى لبنان يمنحها بعداً دبلوماسياً وتنموياً أوسع، ويحوّل التعاون بين البلدين إلى استثمار مباشر في رأس المال البشري.
هكذا تقدم الإمارات نموذجاً لدبلوماسية فاعلة لا تكتفي بإدارة الأزمات، بل تعمل على صناعة الفرص. فمن قاعات الأمم المتحدة إلى مبادرة المليون خبير في لبنان، تضع الدولة الحوار والمعرفة والإنسان في قلب سياستها الخارجية، وتؤكد أن بناء السلام يبدأ بالاستقرار، لكنه يستدام بالتمكين والتنمية.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة