الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

صغيرةٌ على أن تختار.. كبيرةٌ لأن تُختار

12 أكتوبر 2026 01:41 صباحًا | آخر تحديث: 12 أكتوبر 01:57 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
في كل عام تتزوج نحو 12 مليون فتاة قبل بلوغهن الثامنة عشرة. خلف هذا الرقم تكمن واحدة من أكثر المفارقات إيلاماً في مجال حماية الطفل، فقد تُعد الفتاة أصغر من أن تقرر مستقبلها، لكنها كبيرة بما يكفي ليقرر الآخرون أنها يجب أن تصبح زوجة.
غالباً ما يُناقش زواج الأطفال كما لو أن الضرر يبدأ مع حفل الزفاف، بينما الحقيقة أنه يبدأ قبل ذلك بكثير. فحين تصل طفلة إلى يوم زفافها، قد تكون منظومات الحماية لم تتمكن بالفعل من الوصول إليها وحمايتها في الوقت المناسب. وقد تقف خلف تلك اللحظة عوامل متعددة، من الانقطاع عن التعليم والفقر، إلى النزاع والنزوح والضغوط الأسرية والاجتماعية. ويزداد الخطر حين تترسخ هذه الممارسة في المجتمع عبر الأجيال، حتى يصبح استمرارها مألوفاً أكثر من مساءلتها.
لذلك، في كثير من الأحيان يكون الزفاف النهاية المرئية لسلسلة من فجوات الحماية التي بدأت قبل ذلك بوقت طويل.
لنتخيّل طفلة في الثانية عشرة تبدأ يومها وهي تفكر في المدرسة، وتنهيه وقد أُبلغت بأنها ستصبح عروساً قريباً. حينها يُغلق كتابها المدرسي، ويوضع دفترها جانباً، ويقال لها إنها لن تحتاج إلى أي منهما بعد الآن. وحين يُقرع جرس المدرسة في المرة التالية، تعود زميلاتها إلى مقاعدهن، فيما يبقى مقعدها خالياً. فذلك المقعد الخالي ليس مجرد أثر لزواج طفلة، بل شاهدٌ على طفولة توقفت قبل أوانها، وعلى سلسلة من فجوات الحماية التي سبقت تلك اللحظة. تشير تقديرات اليونيسيف إلى أن نحو 640 مليون فتاة وامرأة على قيد الحياة اليوم تزوجن في مرحلة الطفولة، وهو ما يضع العالم أمام أزمة فعلية تتطلب أن نطرح أسئلة جوهرية: لماذا يستمر زواج الأطفال؟ وما المطلوب لمنعه؟
غالباً ما يقود البحث عن الأسباب إلى الفقر، فهو أحد أبرز العوامل التي تسهم في استمرار هذه الممارسة. فالأسر التي تعاني ضغوطاً مالية خانقة تلجأ إلى تزويج بناتها هرباً من الفقر، أو وهماً بتأمين مستقبل لهن. وتتفاقم هذه الضغوط مع النزاعــات والنـــزوح، بينمـــا يؤدي الانقطاع عن التعليم إلى فقدان الفتيـــات جانباً أساسياً من الحماية التي يوفرها لهن التعليم. ولا تقل الأعراف الاجتماعية أهمية، إذ تصبح الممارسات الضارة أكثر صعوبة في مواجهتها عندما يُنظر إليها باعتبارها أمراً حتمياً أو مقبولاً، لا سيما في ظل محدودية الخيارات المتاحة أمام الأسر، وضعف الوعي بمخاطر زواج الأطفال، وصعوبة الوصول إلى خدمات حماية موثوقة. وفهم الأسباب والظروف التي تسهم في استمرار زواج الأطفال هو نقطة البداية لبناء استجابات وقائية فاعلة. فالتوعية والتشريعات، رغم أهميتهما، لا تكفيان وحدهما إذا بقيت الظروف التي تسمح باستمرار زواج الأطفال من دون تغيير. ولهذا، يجب العمل على إبقاء الفتيات في المدرسة وضمان قدرتهن على العودة إليها عند انقطاع التعليم، كما يجب تعزيز الأمن الاقتصادي للأسر حتى لا يبدو الزواج حلاً ممكناً. وإلى جانب ذلك، من المهم تمكين المجتمعات من المعرفة والثقة اللازمتين للتعرف إلى المخاطر والتدخل قبل فوات الأوان.
ولكي يتحقق ذلك، فإنه من الضروري بناء مؤسسات تربط حماية الطفل بالتعليم والدعم الاجتماعي والفرص الاقتصادية، إذ لا يمكن قياس نجاح أي جهود إنسانية لمواجهة زواج الأطفال بمدى الاستجابة بعد وقوع الضرر، وإنما علينا أن نسأل ما إذا كنا قد وصلنا إلى الأسرة أو المدرسة أو المجتمع في الوقت الذي كان لا يزال فيه من الممكن أن تسلك الأمور مساراً مختلفاً.
هذا هو المبدأ الذي يقوم عليه عملنا في مؤسسة خالد بن سلطان القاسمي الإنسانية، فنحن نتبنى هذه الرؤية ونعمل على حشد الجهود حولها لتصبح الحلول وقائية في مجملها وليست علاجية، إذ لا يمكن لأي مؤسسة أن تواجه العوامل التي تقف خلف زواج الأطفال بمفردها. فالحكومات، والمؤسسات الإنسانية، والمدارس، والمجتمعات، والمؤسسات المحلية جميعها تؤدي دوراً في بناء بيئات تمتلك فيها الأسر بدائل حقيقية، ويحصل فيها الأطفال على حماية فاعلة.
الهدف في هذا السياق واضح: لا تقتصر جهودنا على إيقاف زواج الأطفال عند وقوعه أو قبل إتمامه، بل تمتد إلى منع وصول الفتاة أصلاً إلى مرحلة يبدو فيها الزواج كأنه المستقبل الوحيد المتاح أمامها. وهنا يكمن الفرق بين الاستجابة للخطر عند ظهوره، والعمل على منعه من الأساس. لذلك، يجب النظر إلى جهود إنهاء زواج الأطفال باعتبارها استثماراً مستداماً في التعليم، وأمن الأسرة، والحماية الاجتماعية، وحق كل طفلة في أن تصنع مستقبلها بنفسها.
قد تبدو الأنظمة والسياسات والشراكات مفاهيم مجردة، لكن أثرها الحقيقي يظهر في حياة الأطفال الذين وُجدت لحمايتهم. وفي حالة زواج الأطفال، قد يكون هذا الأثر ببساطة أن تبقى طفلة في مدرستها، وكتبها مفتوحة أمامها، ومستقبلها لا يزال ملكاً لها. فالوقاية تبدأ قبل أن يصبح مقعدها خالياً، وقبل أن يُتخذ قرار يغيّر طفولتها ومستقبلها إلى الأبد. فنحن لا نحتاج إلى أن نتخيّل 12 مليون فتاة.. طفلة واحدة تكفي.

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة