هل فكّر التربويّون العرب، في أن العالم العربي والمناهج، مرايا متعاكسة؟ للأسف، هم ينحصر تفكيرهم في الموادّ الدراسية، وما تتطلبه من كتب مدرسية. اسميّاً، يجري الحديث عن التربية والتعليم. فاز الأخير بقصب السبق. لا أحد يتهم الأساتذة الأفاضل، بأن السبب هو أن التعليم وظيفة سهلة، تتلخص في صبّ كميات معيّنة من المعلومات، في دماغ الدارس، بالقُمع، مثل ملء خزّان السيارة. مع فارق أن عليه الاستظهار بالمقدار نفسه، في الامتحان، فإمّا يكرم وإمّا يهان.
التربية شيء مختلف تماماً. لكنها إذا غابت، ظهر تعاكس المرايا بين المناهج والمجتمع، في المساوئ والنقائص، وإذا تجلّت روائع حضورها، شعّ تعاكس المرايا في المحاسن والإيجابيات. إهمال التربية في أنظمة التعليم، يُفضي إلى مدارس تفرّخ موظفين أشبه بالآلات التي تؤدي أعمالاً محددةً، وأشغالاً من دون ابتكار واكتشاف وإبداع واختراع.
شتان ما بين النهجين. التعليم يلقّن الطالب قواعد اللغة، أمّا التربية فرسالتها زرع الإحساس بجمال اللغة في ذهنه ومهجته. ألا ترى أنه لا يوجد ولا حتى نظام تعليمي واحد، في العالم العربي، يربّي الإحساس بجمال العربية في مراحل التعليم؟ المأساة هي أن مناهج العربية لم تتطور لتواكب العصر، فظلت صياغة دروس النحو والصرف، لا تختلف كثيراً عن نصوص القرون الهجرية الأولى، فانفضّ من حولها النشء الجديد، فلا هو متمكن من القواعد، ولا الإحساس بالجمال متألّق.
التعليم يشحن دماغ الطالب بدروس الرياضيات والفيزياء، أمّا التربية فتفتح قدراته الذهنية على آفاق الخيال. من دون الخيال، لا نبوغ يبزغ في العلوم. يُروى أن سيّدةً قالت لأينشتاين: ماذا عليّ أن أفعل ليكون ابني نابغةً في الرياضيات والفيزياء؟ قال: اجعليه يقرأ قصص الخيال. قالت: أنا أريد أن يتفوق فيهما. قال: بمزيد من قصص الخيال. هذا الفيزيائي هو القائل: «إن الخيال أهمّ من المعرفة». الخيال هو الذي يجعل الإنسان يتخيّل حلولاً غير موجودة.
هل تريد حوصلةً للموضوع: لا تشغل البال بعلل التنميات المتعثرة: تصفح مراحل المناهج، ستكتشف: غياب تربية الخيال، الإحساس بالجمال، العقل الناقد المحقق الباحث، المرفوع الهامة بحريات الفكر والرأي والتعبير.
لزوم ما يلزم: النتيجة الغرائبيّة: ببساطة، يجب الاقتناع بأن التعليم في العالم العربي، يحتاج إلى تربية، أو أن تحصل التربية على حكم ذاتي.
