كيف يلوح لك أفق اللغة العربية، حين تنظر إليه من خلال ظاهرة صنّاع المحتوى؟ قبل الخوض، هل تعرف بدقة الفرق بين المؤثرين وصناع المحتوى؟ إذا صدقت رواية الذكاء الاصطناعي، أن في مصر وحدها حوالي أربعين مليون منتج فيديوهات قصيرة، وقياساً عليها يمكن تصور أن العدد الإجمالي في العالم العربي مئتا مليون في هذا المجال، وأن هذه الجيوش الإعلامية الموازية لها ألسنة متعددة، هي لهجات الأقطار الشقيقة، فإنه لا يعسر على المستشرفين، ذوي عيون الصقور، أن يروا على جدران فناجين القهوة، ما تخبئه حادثات الليالي من كل حدث «رائع». على اللغويين أن يغنّوا للعربية: «لا تحسبي أني هجرتكِ طائعاً.. حدثٌ لعمركِ رائعٌ أن تُهجري»، أو أن ينوحوا مثل ابن الأبّار البلنسي: «إن السبيل إلى منجاتها درسَا». أمّا التربويون العرب، فعليهم أن يكونوا الكورال الذي يردّد نوح الباكي وترنم الشادي، بحيادية الجهاز الصوتي.
هذا المضمار لا علاقة له بمسائل حسن استغلال هذا الفيضان، في التجارة، من ترويج وتسويق ودعاية وإعلان، في التنمية، في التوعية، في مكافحة البطالة وتحسين معيشة الشبيبة، وإيجاد مخارج لاستعصاء مشاركتها في بناء أوطانها، فهذا المحور يعكف على اللغة العربية كمأوىً للشتات العربي، كقلعة لحماية الهوية، وجهاز مناعة يقيها شرور الفيروسات الفتاكة المتكالبة عليها، اللغة العربية كحصن جيوسياسي. رجاءً، لا تكن هشّاً أمام الإحباط والتثبيط، فيوسوس اليأس لنفسك باستذكار سنة 1258، سقوط آخر معاقل الإمبراطورية الإسلامية. ها أنت ترى أن بغداد سقطت مرة أخرى، وعدد العرب الذين تابعوا حملات بوش الابن على الشاشات، أضعاف أضعاف العرب الذين عاشوا هجمات هولاكو. لا تهن ولا تحزن، فما لهذه الهلاوس صلة بحقيقة مستقبل العربية، فأصل المعضلة، في مستقبل العرب.
إذا كان مصب مخاوفك، مصير التراث، فلا تخف. هل تظن أن المئتي مليون المذكورين، كانوا ناعمين في فراديس الأدب العربي، فجاء صنّاع المحتوى والمؤثرون فأخرجوهم منها؟ المأساة هي: لماذا الفصحى ضعيفة في ديارها؟ لماذا انتصرت العاميّات؟ القضية المهملة: على اللغويين والأدباء، أن يتصالحوا مع التراث، أن يستخرجوا منه المحركات النابضة بالحياة، الصالحة للحاضر والمستقبل. ما تجاوزه الزمن، يُترك للباحثين.
لزوم ما يلزم: النتيجة التأسيسية: أسِّسوا اتحاداً للهجات العربية، ثم مجامع للعاميات.
