الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

ما فعلته الملكة إنانا

16 أكتوبر 2026 00:07 صباحًا | آخر تحديث: 16 أكتوبر 2026 00:07 صباحًا
دقائق القراءة - 2
شارك
share
من وقت إلى آخر تجد مزاجك القرائي مشدوداً إلى ديوان الأساطير، وتحديداً الأساطير السومرية، الأكادية والآشورية، وقد نقلها أو نقل جانباً منها إلى العربية الباحث قاسم الشواف.
الأسطورة، أحياناً، ملح القراءة، وذلك حين يعود القارئ إلى طفولة الشعر، وإلى التكرار الموجود عادة في الكثير من نصوص الملوك والملكات والأمراء الأسطوريين، وهذه الملكة «إنانا» وأبوها الملك «إنكي» وحاجبه «إيسموند».
يكلّف الملك «إنكي» حاجبه «إيسموند» بأن يذهب إلى ابنته «إنانا»، ويقول له: دع إنانا تذهب إلى أوروك، وهي مدينة سومرية، لتنقذ سفينة السماء، وهكذا يكلّف الملك حاجبه بأن يذهب إلى ابنته ست مرّات، وفي كل مرة تستدعي الابنة الملكة مساعدتها أو خادمتها «نينشوبور»، وتقول لها: في كل مرة: «يدك لم تمسس الماء، ورجلك لم تمسس الماء». وهكذا أنقذت إنانا سفينة السماء، فيجري الاحتفاء بها في أوروك على هذا النحو الشعري التكراري، الذي مرة أخرى، يبيّن لنا طفولة الشعر وملح الأسطورة.
خلال الترحيب بما فعلته «إنانا» نقرأ هذا النص «أيّ إنانا أنت جَلَبْتِ الجوقة الصوتية، أنت جَلَبْتِ فن الغناء، أنتِ جَلَبْتِ منصب القدماء، أنتِ جَلَبْتِ منصب الحرب». ولأن القصيدة طويلة، وتعتمد على تكرار ما جلبته إنانا، فإنني ألجأ إلى نقل بعض مما فعلته هذه الابنة الملكة؛ فلقد جلبت العرش الملكي، والصولجان، وعصا القيادة، الخنجر، والهراوة، اللباس الأسود، اللباس المتعدّد الألوان، الشَّعْر المردود على النقرة، الشعر المعقود على النقرة، الجعبة، الراية... وإلى آخره.
لكن الغريب في هذا النصّ أن الملكة إنانا قد جلبت أشياء أخرى مثل الرياء، المداهنة، الخداع، تخريب المدن، ممارسة النواح، المكر.
جلبت الملكة أيضاً: فن شغل الخشب، فن شغل المعدن، فن الكتابة، فن صبّ المعادن، فن صناعة الجلد، فن النسيج، فن العمارة، فن صنع السلال، فن إطفاء النار.. وإلى آخره من فنون ومنها: فن التهدئة وفن المحاكمة، وفن اتخاذ القرار.
جلبت إنانا الملكة السومرية هذه الفنون قبل آلاف السنوات، وإذا توقفت عند فن مثل فن التهدئة فسوف تعتقد أن «إنانا» هذه، ليست مجرد ابنة ملك، بل هي دبلوماسية محنّكة تعرف متى وأين تتخذ القرار.
ولكن ما هي «سفينة السماء» هذه؟ أهي طائرة إذا أسقطناها على زماننا هذا؟ ربما، غير أن قراءة الأسطورة بإسقاطات أو غير إسقاطات هي قراءة اكتشافية دائماً لطفولة تفكير الإنسان، ومخيّلته الواسعة، تلك المخيلة القديمة الأولى، والتي صاغت لنا منذ ذلك الزمان صوراً ومخترعات وثقافة موجودة الآن أمامنا ونحن في القرن الحادي والعشرين.

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة