الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

احتجاجات فرنسا وأبعادها العالمية

16 أكتوبر 2026 00:02 صباحًا | آخر تحديث: 16 أكتوبر 2026 00:02 صباحًا
دقائق القراءة - 2
شارك
share
تقترب الاحتجاجات الطلابية في فرنسا من إتمام شهر، وقد تستمر إلى أبعد من ذلك في ضوء تفكك المشهد السياسي، وتتعقد بانضمام قطاعات حيوية أخرى، ذلك أن الطلاب هم روح المجتمع، وضميره، ومستقبله، والشرارة التي غالباً ما تحرك الركود السياسي وتفرض معادلات جديدة على أصحاب القرار.
لفرنسا تجارب سابقة مع احتجاجات طلابية ضاربة، ويشهد تاريخها أن مدارسها وجامعاتها كانت دوماً مرآة عاكسة لواقعها، وتعبيراً صادقاً عن شواغلها. وما زالت الذاكرة تحتفظ بالزلزال الذي أحدثه حراك الطلاب في مايو(أيار) 1968، ولم يتوقف حتى أعاد صياغة وجه فرنسا، الاجتماعي والسياسي والثقافي، بالكامل، مرغماً واحداً من أقوى الشخصيات التاريخية، الجنرال شارل ديغول، على إعادة حساباته، وإضعاف موقفه، ودفعه لاحقاً إلى التنحي عن سدة الرئاسة والانسحاب من المشهد حتى وفاته عام 1970، بينما تجاوزت تأثيرات ذلك الحراك التاريخي حدود فرنسا إلى ألمانيا الغربية، وإيطاليا، وبريطانيا، مع انتشار أفكار الرفض للقوالب الجاهزة، وألهم شباب تشيكوسلوفاكيا تصعيد «ربيع براغ» التحرري قبل أن تسحقه الدبابات السوفييتية، في وقت لاحق من ذلك العام.
لا ينكر الفرنسيون ونخبهم السياسية، على اختلاف ألوانها، أن بلادهم تعيش وضعاً استثنائياً مع زيادة الإحباط العام تجاه الانقسام السياسي، وغياب الرؤية الواضحة للمستقبل، فتراكم الأزمات الهيكلية والشلل البرلماني، مع غياب الأغلبية المطلقة داخل الجمعية الوطنية، جعل حكومة سيباستيان ليكورنو، رابع رئيس وزراء خلال عامين، تعيش حالة من الهشاشة المستمرة، فيما يقترب الرئيس إيمانويل ماكرون من نهاية ولايته الثانية والأخيرة، وسط حالة من الضبابية حول البديل السياسي القادم، وقلق من أن يقفز اليمين المتطرف، أو اليسار الراديكالي إلى سدة السلطة، وعندها لن يكون المشهد السياسي الفرنسي ساحة للتنافس التقليدي فحسب، بل نقطة تحول جذري قد تعيد صياغة هوية الجمهورية الخامسة، وركائزها الدستورية.
واقع الاستقطاب الحاد بين القوى الراديكالية من اليمين واليسار وتشتت أحزاب الوسط، يهدد بحالة من عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي يضرب فرنسا، ويحدث تصدعاً قارياً قد يعجّل بانهيار الاتحاد الأوروبي الذي يعيش بالفعل مأزقاً وجودياً، يؤكد العارفون أنه قد يأخذه إلى حالة «موت دماغي» إذا ما تغير النهج السياسي في باريس، مدعوماً بإرهاصات مماثلة في دول محورية أخرى على غرار ألمانيا.
السياق العام للاحتجاجات الطلابية الراهنة في فرنسا يشير إلى أنها قد تتحول إلى أزمة وطنية خانقة، أو ثورة مكتملة لا تنقصها المغذيات من تأثيرات الأوضاع المتدهورة على أكثر من صعيد، داخلياً وخارجياً. ويقول التاريخ إن باريس هي أمّ الحركات الاحتجاجية، وقائدة التغيير في الغرب منذ ثورة 1789، التي غيرت وجه العالم إلى الأبد، وجاءت بقيم الجمهورية، والديمقراطية، والمواطنة، وحقوق الإنسان، وحرية الفكر، وحملت باستحقاق لقب «عاصمة الأنوار» لتشع بأفكارها وفلسفتها غرباً وشرقاً، بدءاً من أوروبا.
بالنظر إلى هذه الخلفية التاريخية والواقع الراهن، يعيش عالم اليوم وضعاً استثنائياً، لم تعُد فيه الأزمات محلية أو معزولة، وبات بحاجة إلى أفكار متنورة ترسي إيديولوجية جديدة تنتصر للقيم الكونية، وتعيد للإنسان إنسانيته. وبهذا المنطق، يمكن أن تكون احتجاجات فرنسا خطوة نحو عالم مختلف، يجب أن يتجاوز حالة العبث التي تتسم بسياسات عشوائية واستهانة بالحقوق والمبادئ، وإيغال في استخدام التكنولوجيا الحديثة، وكل الخوارزميات الفاقدة للروح والمشاعر الإنسانية.
* [email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة