بالعودة إلى ما كتبه الباحث ناثان ج. براون في الأول من يونيو(حزيران) 2026، أستاذ العلوم السياسية والشؤون الدولية، في مركز كارنيغي للسلام الدولي، في دراسة بعنوان «عقيدة الركام الإسرائيلية»، خلص فيها إلى أن التدمير لم يعُد بالضرورة نتيجة جانبية للحرب، وإنما يمكن فهمه بوصفه جزءاً من استراتيجية ترمي إلى إلحاق ضرر بالغ بالخصوم في بيئاتهم، بحيث تصبح استعادة قدراتهم وإعادة بناء مجتمعاتهم شديدة الصعوبة. فالحرب التقليدية تستهدف جيشاً، أو موقعاً، أو قدرة عسكرية، ثم تنتهي المعركة ويبدأ السؤال: كيف نعيد البناء؟
أما «عقيدة الركام»، فهي بحسب براون، تطرح منطقاً مختلفاً: كيف نجعل إعادة البناء نفسها صعبة؟ كيف يتحول المكان بعد الحرب إلى عبء على أهله؟ وكيف يصبح البيت المهدّم والطريق المقطوع جزءاً من معادلة فقدان الأمن، والأمل بعودة الحياة؟ كيف تصبح إعادة البناء حرباً جديدة؟ لذلك لا يمكن قياس ما أصاب غزة، وما أصاب لبنان، بعدد الشهداء والجرحى وحدهم، على فداحة الخسائر، ثمة ضحية أخرى اسمها.. المكان.
البيت ليس أربعة جدران فقط. قد يكون البيت تاريخ عائلة كاملة، بناه الأب وأضاف الابن فوقه، وزرع زيتونة أمامه، وتركت الأم مفتاحه معها حين نزحت لأنها كانت تظنّ أنها ستعود بعد أيام. لهذا البيت هنا سيرة حياة، وعمر سُحِق تحت الأسمنت. وهنا تبدأ حرب إعادة الحياة لذاكرة المكان، ومعاناة العودة. ناثان يرى أن الحرب لم تعُد مقتصرة على إضعاف الخصوم، وإنما تمتد إلى منعهم من إعادة بناء قدراتهم وإعادة الحياة بحيث يصبح التعافي شديد الصعوبة، أو مستحيلاً. إنها حرب الإعمار.. حرب أُعدّت كي تُستثمر اقتصادياً، واجتماعياً، وسياسياً.
الحقيقة أن «عقيدة الركام» التي يتباهى بها وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، لا يُراد لها أن تصنع سلاماً. فالسلام يحتاج أولاً إلى العودة إلى الأرض، وإلى ذاكرتها المحفورة فيهم. يقدم براون توصيفاً مقلقاً لهذا التحول: هيمنة من دون تسوية، إضعاف من دون إعادة إعمار، ومنع للعودة إلى مناطق معينة من دون أفق سياسي واضح، بحيث لا تعود الحرب جسراً يؤدي في النهاية إلى ترتيب سياسي، بل تتحول الحرب المستمرة نفسها إلى جزء من الترتيب الأمني، والتوزيع الجغرافي. وهنا تحديداً، تكمن خطورة الفكرة، فهي لا تتجه إلى اتفاق سلام، بل إلى منع إعادة التكوين. فليس المطلوب أن يخاف الخصم من الحرب المقبلة، وإنما أن يخرج من الحرب الحالية وقد فقد جزءاً كبيراً من قدرته على استعادة ما كان يمتلكه قبلها. هذا هو الفرق بين تدمير هدف، وتدمير إمكانية عودة الحياة إلى سابق عهدها.
في لبنان كما في غزة.. المكان هو الضحية. ففي أكتوبر (تشرينالأول) 2024، أظهرت صور أقمار صناعية حلّلتها «رويترز»، دماراً واسعاً في بلدات حدودية لبنانية. وفي تقييم أجراه برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية، وأشارت إليه وثيقة للأمم المتحدة في نوفمبر(تشرين الثاني) من العام نفسه، أظهر أن 44.2% من المباني التي شملها التقييم تضررت. بينما وصل التدمير إلى نسبة 50% في بعض البلدات. هذه ليست مجرّد أرقام هندسية. فوراء كل مبنى عائلة، ووراء كل شارع حياة، أو مدرسة، أو مخبز، أو دكان، أو حقل زيتون، وليسوا كلهم مقاتلين، بل في معظمهم مدنيون أبرياء.
أما البنك الدولي فقد نشر أرقاماً أكثر وضوحاً. ففي تقييم شامل من 8 أكتوبر(تشرين الأول) 2023 إلى 20 ديسمبر(كانون الأول) 2024، قدّر البنك الكلفة الاقتصادية للصراع في لبنان بنحو 14 مليار دولار. والقطاع الأكثر تضرراً كان السكن. وهنا يصبح معنى عقيدة الركام اقتصادياً مقصوداً.
لبنان لا يواجه اليوم أزمة إعادة إعمار عادية. بل تراكم انهيارات اقتصادية فوق بعضها بعضاً. فالحرب الإسرائيلية لم تضرب اقتصاداً سليماً بإمكانه جلب الاستثمارات لإعادة ترميم ما دُمّر، بل أصابت بلداً يحمل أصلاً خسائر مصرفية، وانهيار الليرة، وتعثر الدولة، وانفجار المرفأ، وتآكل البنية التحتية، وهجرة الرأسمال البشري. لذلك، فإن ما يمكن تسميته بـ«عقيدة الركام» أخطر اقتصادياً على لبنان من مجرد قيمة الأبنية المهدمة.
لماذا نتوقف عند لبنان؟ لأن «عقيدة الركام.. والحرب الاقتصادية» تسعى لإفقار طويل الأمد. ومنع العودة يمنع عودة الحياة، ويمنع الأمل في بلد يتعبه السؤال: هل يريد العالم سلاماً يعيد للأرض الحياة؟ أم تسوية تعيد توزيع أرض بلا ذاكرة، ولا حياة؟.
