الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

طبقات اللغة العربية

19 أكتوبر 2026 00:17 صباحًا | آخر تحديث: 19 أكتوبر 2026 00:18 صباحًا
دقائق القراءة - 2
شارك
share
وجدت في اللغة العربية ما لم أجده في كل لغات العالم، وهو الكلمة الواحدة التي ننطقها بمناسبة استخدامها، سواء في المحادثة اليومية، أو في الكتابة الأدبية أو الصحفية، ونظن أن لها معنى واحداً جامداً، فإذ بمعاجم اللغة تأخذنا إلى بحر من المعاني، والتي لا تخطر على البال.
نحن نعرف أن العَروض هو القانون الوزني التفعيلي الذي وضعه العلّامة اللغوي الخليل بن أحمد الفراهيدي للشعر العربي، ولكن العَروض، هذه الكلمة المتداولة يومياً بين الشعراء لها معنى آخر، فالعَروض هي الناقة التي لم تُرَض.
نعرف الصقر بوصفه طائراً كريماً ومن أقوى طيور الصيد، وقد كرّمه الشعر العربي بالكثير من قصائد الفروسية، لكن الصقر في لغتنا العربية له معنيان آخران لا تخطران على بالك، فالصقر هو اللبن الشديد الحموضة، والصقر هو الدبس عند أهل المدينة.
الصنبور قد يتبادر إليك أنه صنبور الماء فقط، لكن الصنبور في لغتنا العربية المدهشة هو الرجل الفرد لا ولد له ولا أخ، أما الصاع الذي نعرف أنه مكيال الحبوب عند العرب، فهو المكان المطمئن من الأرض.
مرة ثانية، وكما أشرت في مقالة سابقة، إن قراءة المعاجم متعة لغوية وثقافية وفكرية كبيرة جداً، وتؤكد لك هذه القراءة اليومية إذا اتخذتها عادة ضمن برنامجك الحياتي أن اللغة العربية أكثر ثراءً معرفياً ودلالياً وتأملياً من أي لغة أخرى، وليعذرني القارئ الكريم على هذا الإطلاق في هذا الرأي، وهو ليس رأياً انحيازياً يلغي خصوبة اللغات الحية العالمية الأخرى، وإنما مبعث هذه الفكرة هو جمالي صرف يقودك إلى استخدام الكلمة بمعناها المعجمي الآخر، أي أن المعجم، وبخاصة المعجم التاريخي للغة العربية، يوسع من أفقك اللغوي، ويقودك إلى المعنى المنسي غير المستخدم في نطاق واسع كما هي العادة في ثقافتنا اليومية.
أعود بك إلى مدهشات القراءة المعجمية مرة ثانية، فالصوم هو ركود الرّيح، والصوم: شجر في لغة هذيل، والضب الذي نعرف أنه حيوان يعيش في الصحراء يعني: الحقد، والضريح الذي نعرف أنه القبر إنما هو البعيد، والضرير يعني حرف الوادي، بينما نحن نعرف أن الضرير هو الأعمى، والضال تعني السدر البرّي.
في القراءة المعجمية تدهشك تلك الصور الشعرية التي تنطوي عليها الكلمات: مثل ظل الليل، وقد يتساءل المرء: وهل لليل ظل؟ والجواب نعم، وظل الليل هو سواده.
قد يتبادر إليك أن الظَّهْر هو فقط ظَهْر الإنسان الذي يحمل عليه المرء متاعه أو أثقاله أو أطفاله، ولكن الظَّهْر هو أيضاً طريق البر، والمظاهرة ليست فقط حشود الناس وهي تهتف غاضبة أو مؤيدة، بل المظاهرة هي المُعَاوَنة (من ظهير)، والتَظاهُر هو: التَعاوُن.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة